أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إشكالية التفكير!


د. يعقوب ناصر الدين

إشكالية التفكير!

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

من منا لا يتابع كل يوم معظم المقالات والتحليلات والدراسات التي تتناول الوضع في منطقة الشرق الأوسط على إثر الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وتداعياتها على العلاقات والمصالح، والأمن الإقليمي والدولي؟

وكلما تعمقنا في تلك الموضوعات تعاظمت الحيرة والضبابية، وكبرت مساحة اللايقين بإمكانية الاعتماد على نظريات واضحة المعالم لمصير المنطقة ومستقبلها القريب أو البعيد.

ذلك لا يعني أن المفكرين والمحللين الإستراتيجيين والسياسيين يضلون طريقهم في تحليل الأوضاع القائمة، ولا في استشراف بعض ملامح التحولات المتوقعة اعتمادا على المقارنات أو المقاربات أو الاحتمالات، ولكن السياق العام الذي يحكم الوضع الراهن في خلفياته الدينية والتاريخية، وارتباطه بتعقيدات الجغرافيا السياسية والاقتصادية من تضارب في المصالح ومن صراع على النفط والغاز والممرات المائية والتجارة العالمية يجعل المشهد أشبه بمفهوم السريالية التي تعني (فوق الواقع، أو ما وراء الواقع) وهي تعبر عن العقل الباطن بعيدا عن قيود ومحددات ومفاهيم العقل الواعي والمنطق!

في جلسة حوارية حول قضايا التفكير الإستراتيجي واستشراف المستقبل أضحك أحد المتحدثين الحضور حين قال: أظن أن الشعراء والرسامين أكثر مقدرة منا كمفكرين وباحثين على التعبير عن رسم صورة واقع المنطقة والعالم اللامعقول، فأدواتنا في التفكير والبحث قد أصبحت الآن تحت سيطرة الذكاء الاصطناعي، مجردة من القيم والمشاعر والأحاسيس، والأخطر من ذلك أنه لم يعد ممكنا تتبع اتجاهات المؤثرين في صناعة الرأي العام، ولا حتى أولئك الذين يعرفون بأنهم (قادة القوى الكبرى) الذين غالبا ما يتم الإشارة إليهم من خلال عضوية دولهم الدائمة في مجلس الأمن الدولي، بالرغم من أنه فقد مع الوقت هيبته وصلاحياته، وحتى جدوى وجوده كأرفع سلطة في الشرعية الدولية المعطلة!

بعيدا عن ذلك كله فأنا من أشد الداعين إلى تعميق دور الباحثين والمفكرين الإستراتيجيين، ودور المثقفين والأدباء والإعلاميين في توجيه الرأي العام تجاه الحقائق والثوابت ومنظومة القيم والمبادئ التي ينتمون إليها ويتمسكون بها باعتبارها تجسيدا لكرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والمستقرة، وفي ضمان مستقبل أجياله القادمة، فالإشكالية لا تكمن في التفكير كعملية عقلية ومعرفية لمعالجة المعلومات وتحليلها وتنظيمها وإنما في حالة الاستسلام لفوضى المعلومات المضللة والمنقوصة، والعزلة والاعتزال والعزوف عن العمل الجماعي بما يشبه اليأس من إمكانية التفكير المشترك والعمل الإيجابي المنتج والمثمر.

نحن بأشد الحاجة إلى إعادة التفكير في المنطلقات والأدوات والغايات، فالمسألة تتعلق بالهدف والمصير، ومن الواجب أن نواصل عملنا في مجالات التطوير والتحديث والتنمية الشاملة، وتفعيل دور ومسؤوليات المؤسسات العامة والخاصة، ولكن إطلاق إمكانات التفكير، وحشد الطاقات الفكرية في مجالاتها المتعددة أصبح اليوم ضرورة ملحة من أجل تحديد المسار، ورسم ملامح الطريق، ونشر ثقافة الوعي الجمعي ليكون سدا منيعا في مواجهة التضليل والتشويه والريبة واليأس، ومنطلقا لحماية بلدنا من تبعات عبثية التطورات والأحداث التي تعيشها المنطقة والعالم.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ