كتب شون يوم البروفيسور الأمريكي في العلوم السياسية لدى جامعة تمبل مقالا حول الأخطار المحدقة بالأردن في مجلة فورين بوليسي تحت عنوان الأردن تخشى إسرائيل لا إيران، يوم مختص بالشأن الأردني وله بحوثاً تخص الشأن الأردني سياسياً واقتصادياً وعلاقاته الخارجية، وقد خلصت مقالته الأخيرة لتوازنات البقاء الأردنية أمام ارتدادات التهجير الناعم والتحولات الجيوسياسية في الضفة الغربية؛ مصيباً في محاور ومخطئاً في إغفال حقيقة كبرى تقلب كل التوازنات القائمة.
نعم تواجه الدولة الأردنية تحديات وجودية معقدة تتجاوز المفهوم الكلاسيكي لحماية الأمن القومي لتؤسس ملامح مرحلة سياسية دقيقة وحساسة للغاية تحتم قراءة المشهد بعمق استراتيجي، حيث تتجلى الفروقات الجوهرية بين خطر عسكري تكتيكي وآخر جيوسياسي ديموغرافي مستدام، فالعمليات الحربية المتكررة المتمثلة في اختراقات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية تجسد تهديداً مباشراً يمتلك نقطة بداية ونهاية واضحة يمكن احتواؤه بفاعلية عبر المنظومات الدفاعية المتقدمة والردع العسكري، بينما يطرح مشروع الضم الصهيوني غير القانوني لأراضي الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة معضلة شديدة التعقيد لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، لتغدو الجغرافيا السكانية المحاذية للمملكة بؤرة التحول الأخطر الذي يفرض واقعاً مغايراً يصعب تداركه أو عكس مساره ضمن أي أفق زمني منظور. نعم تكتسب الأراضي الفلسطينية الملاصقة أهمية قصوى باعتبارها امتداداً حيوياً للسيادة الأردنية وليست مجرد ملف خارجي منفصل يمكن مقاربته ببرود دبلوماسي أو تأجيل البت فيه، إذ ينذر استمرار السياسات الاستيطانية الممنهجة وتوسيع نطاق السيطرة المكانية بتفكيك البنية التحتية الجغرافية وإضعاف مقومات حق تقرير المصير، والأمر الذي يحول مسار النقاش من احتمالات الهيمنة السياسية البحتة إلى خطورة التهجير القسري الناعم المتراكم الناجم عن مصادرة الممتلكات وتضييق الخناق الاقتصادي المفتعل، لتصبح الهجرة خياراً اضطرارياً للسكان يتسلل بهدوء تام دون إعلان رسمي مسبق، وهو ما يمهد لانهيار مؤسسي شامل للسلطة الوطنية الفلسطينية ويقوض مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. نعم ستضع هذه التحولات الجذرية والمقلقة معاهدة السلام الثنائية تحت اختبار دقيق يهدد أسس الاستقرار الإقليمي الذي بُنيت عليه طوال العقود الماضية، وكان الهدوء الحدودي مصلحة أمنية مشتركة لجميع الأطراف قبل أن تتغلب الأولويات التوسعية الراهنة على حسابات المحافظة على تلك المكاسب الاستراتيجية، لتجد الإدارة الدبلوماسية الأردنية نفسها أمام شبكة معقدة من الخيارات المتدرجة التي تتجنب الصدام العسكري المباشر لصالح تفعيل أدوات الضغط القانوني الدولي وتخفيض مستوى التمثيل السياسي، وسط تقاطع نيراني حرج يجمع بين التهديدات الإقليمية الطارئة والارتباط العميق بالولايات المتحدة الأمريكية، لتبرز المفارقة الصعبة في استمرار الشراكة الاستراتيجية المؤثرة مقابل التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب. نعم يحمل النزوح البشري الفلسطيني المحتمل طابعاً استثنائياً قاهراً يلامس صلب الهوية الوطنية الأردنية ليوقظ الهاجس الاستراتيجي الأكبر المتمثل في تمرير مشروع الوطن البديل لتصفية القضية الفلسطينية، وهنا تبرز الحقيقة التي غفل عنها يوم في تحليله رغم ادعائه معرفتها المسبقة متمثلة بالقبائل والعشائر الأردنية كحائط صد منيع ودرع أمني لا يمكن اختراقه بأي شكل من الأشكال، فهذه المكونات الاجتماعية الأصيلة المتجذرة تعتبر أي مساس بكينونة الدولة أو محاولة تصدير الأزمة الديموغرافية شرقاً بمثابة إعلان حرب وجودية تستوجب التعبئة الشاملة، لتتجاوز ردود الفعل الشعبية حدود الاستنكار العاطفي نحو التخندق الفعلي والميداني خلف القيادة السياسية مبديةً رفضاً قاطعاً للمساس بالسيادة الوطنية، فالعشيرة في الأردن ليست تكويناً مجتمعياً مجرداً بل هي مؤسسة سيادية وعسكرية رديفة تدرك بعمق أن حماية الأرض والدفاع عن استقلالية القرار يشكلان عقيدة راسخة لا تقبل المساومة أو الخضوع للإملاءات الخارجية. وعليه ستتحول عملية صنع القرار السيادي إزاء هذه التجاذبات المربكة إلى إدارة يومية حذرة للمخاطر تهدف إلى الموازنة الذكية بين الحفاظ على التحالفات الدولية وتجنب الانهيار الديموغرافي ودرء خطر الانزلاق في حروب إقليمية بالوكالة، لتخلص المعادلة في نهايتها إلى حقيقة تاريخية ثابتة تؤكد بوضوح أن مصير الضفة الغربية لم يعد مجرد مسألة جوار جغرافي عابر، بل هو المحدد الأساسي الذي سيصيغ مستقبل الدولة سياسياً وأمنياً ووجودياً بالكامل، مدعوماً بلحمة وطنية فريدة تدمج بشكل متناغم بين صلابة الموقف الدبلوماسي الرسمي وغضبة الوجدان الشعبي العشائري الذي يقف متأهباً وجاهزاً لإحباط أي مخطط مشبوه يمس بتراب الوطن أو يهدد استقرار أركانه الدستورية الثابتة.صدق 'شون يوم' ونسي حقيقة تقلب كل التوازنات
مدار الساعة ـ