أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تتحدث الحكومة بالذكاء الاصطناعي.. هل تسمع المواطن؟


أ.د. نورس شطناوي

حين تتحدث الحكومة بالذكاء الاصطناعي.. هل تسمع المواطن؟

مدار الساعة ـ

قد يستطيع وجهٌ رقمي أن يقرأ بياناً بلغات عديدة، لكن المواطن الذي ينتظر إنجاز معاملته يريد أن يسمع جملة واحدة: (تم حل مشكلتك). وبين بلاغة الإعلان وبساطة هذه الجملة، تقع المسافة التي ينبغي للتحول الرقمي أن يقطعها؛ فكل ساعة انتظار تختصرها التكنولوجيا تعود إلى حياة إنسان، وكل إجراء توضحه يرمم شيئاً من الثقة بين المواطن والمؤسسة.

ومع إطلاق الناطق الرقمي الحكومي (فرح)، تُفتح نافذة لتطوير الاتصال العام، ويطل منها سؤال يستحق أن يكون في صميم التحديث الإداري: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي قادراً على التقاط حاجة المواطن، وإيصالها إلى صاحب الاختصاص، ومتابعتها حتى تتحول الإجابة إلى نتيجة؟ إن امتلاك صوت رقمي خطوة تكتمل حين تعمل خلفه مؤسسة تستمع وتستجيب وتتحمل مسؤولية ما تقوله.

ويكتسب هذا السؤال دلالته بعد زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى إربد الثلاثاء الماضي، ولقائه شخصيات وممثلي قطاعات المحافظة؛ حيث تناول اللقاء الاستثمار والسياحة والزراعة والتكنولوجيا والرياضة، وأكد سموه أهمية تعزيز استقرار الأردن واقتصاده، وتوسيع الاستثمار، خصوصاً في التكنولوجيا، وتمكين الشباب، والبناء على الاتفاقيات الموقعة خلال زيارة جلالة الملك إلى الصين.

وفي تقديري، يجمع هذه المحاور سؤال الأثر: ماذا يتغير في حياة الناس؟ فالاستثمار التقني تتعاظم قيمته عندما يفتح باب عمل، وييسر خدمة، ويساعد مزارعاً على حماية إنتاجه. ومن هنا، أقرأ لقاء إربد دعوة إلى وصل المعرفة بالاقتصاد المحلي؛ بحيث تصبح قدرات الشباب جزءاً من الحلول التي تحتاجها محافظاتهم، وتجد الشراكات الدولية طريقها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والقياس.

ومن واقع تخصصي في هندسة المساحة والجيوماتكس والبيانات المكانية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أرى أن ذكاء الخدمة يبدأ من فهم موضع تعطلها. كم تستغرق المعاملة؟ ولماذا تتكرر مراجعات المواطن؟ وأين تضيع المسؤولية بين المؤسسات؟ هذه الأسئلة تسبق اختيار البرنامج؛ لأن أتمتة إجراء مرتبك قد تعيد إنتاج ارتباكه بسرعة أكبر. ولذلك، ينبغي أن يرافق التطوير التقني تبسيط الإجراءات، وتحديث البيانات، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة.

كذلك، فإن طلاقة النموذج اللغوي لا تمنحه ضمانة الصواب؛ فقد يقدم معلومة خاطئة بثقة عالية. وهذا يفرض ربط المساعد الحكومي بمصادر رسمية محدثة، وإظهار مرجع إجابته، واختبار دقته، وحماية بيانات مستخدميه، وإحالة الحالات الملتبسة إلى موظف مختص. فالمواطن يبني تصرفه على الإجابة الرسمية، ويتحمل كلفة الخطأ إن تأخرت معاملته أو اتجه إلى باب غير صحيح؛ ومن ثم تبقى المسؤولية المؤسسية واضحة مهما تطورت الأداة.

ولنتخيل مزارعاً يبلّغ عن انقطاع متكرر للمياه. تبدأ الخدمة المفيدة بتسجيل بلاغه وربطه بموقعه، وإعطائه رقماً للمتابعة، وتحديد الجهة المكلفة بمعالجته. ثم يأتي دور التحليل المكاني في كشف تجمع البلاغات وعلاقتها بالشبكة، بما يساعد الفرق المختصة على توجيه الفحص الميداني. غير أن الخريطة ترشد إلى موضع يستحق التحقق؛ أما تشخيص السبب وإصلاحه فيحتاجان إلى خبرة وقرار وتنفيذ. وعندئذ يكتمل الطريق من البيانات إلى الخدمة، ومن الشاشة إلى الحقل.

ولترجمة ذلك عملياً، أقترح تجربة محدودة المدة والنطاق، تجمع جهة خدمية وجامعات وشركات تقنية شبابية حول خدمة واحدة كثيرة الاستخدام، وتعلن نتائجها بمؤشرات واضحة: زمن الإنجاز، ودقة الإجابة، ونسبة الحل الفعلي، ورضا المستفيدين. ويجب التحقق من معالجة المشكلة قبل إغلاق البلاغ، مع إبقاء المساعدة البشرية متاحة؛ فسهولة الخدمة تُختبر أيضاً لدى كبير السن ومن لا يجيد استخدام التطبيقات.

بهذا المعنى، يمكن أن تتحول رسائل لقاء إربد إلى عمل يومي: جامعة تختبر المعرفة في الميدان، وشباب يبنون حلولاً، ومؤسسة تقيس نجاحها بما توفره على الناس من تعب. فالثقة تنمو حين يرى المواطن أن وراء الإجابة مسؤولاً، ووراء الوعد متابعة، ووراء الشاشة باباً يُفتح. وحين يصل أثر التكنولوجيا إلى حياته، سيجد في اسم (فرح) ما يتجاوز ملامح الوجه الرقمي إلى معنى يشعر به.

مدار الساعة ـ