سبقت الإشارة في المقال الأول من هذه السلسلة أن المحكمة الدستورية أصدرت العدد الثاني من مجلتها، وقد وزعت المحكمة صفحات العدد على عدة محاور؛ من بينها محور الأحكام التي أصدرتها المحكمة العام الماضي، والمتعلقة بالطعون بعدم الدستورية، وقد بلغ عددها (8) أحكام.
ومن الملاحظ في جميع الطعون محل تلك الأحكام أن المحكمة انعقدت بهيئتها العامة للنظر فيها، أي أنه لم يتغيب عن النظر في تلك الطعون أي من الأعضاء (بمن فيهم الرئيس).وفيما يتعلق بانعقاد المحكمة فقد نص المشرع على أن: "تنعقد المحكمة عند النظر في الطعن أو طلب التفسير المقدم لديها بهيئة من تسعة أعضاء على الأقل، وفي حال تغيب عضو أو أكثر بمعذرة مشروعة أو تحققت إحدى حالات التنحي تنعقد بحضور سبعة من أعضائها على أن يكون من بينهم الرئيس أو من ينوب عنه، وتصدر أحكامها وقراراتها بأغلبية خمسة أعضاء، وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي صوت معه الرئيس أو من ينوب عنه" (المادة 19 من قانون المحكمة الدستورية).يتضح من هذا النص أن المشرع أوجب لصدور حكم المحكمة أو قرارها موافقة أغلبية (5) أعضاء، إن هذا الأمر يصح في حالة أن يكون عدد أعضاء المحكمة (9) أعضاء، وتنعقد المحكمة بخضورهم جميعًا للنظر في الطعن أو طلب التفسير؛ فيصدر الحكم أو القرار بأغلبية (5) أعضاء في هذه الحالة.لكن، ما العدد المطلوب لإصدار الحكم أو القرار إذا انعقدت المحكمة بأقل من العدد الكلي لأعضائها؟ فقد سمح المشرع بانعقاد المحكمة من (7) أعضاء حدًا أدنى لمواجهة حالة تغيب عضو بمعذرة مشروعة، أو تحققت لديه إحدى حالات التنحي عن النظر في الطعن أو طلب التفسير.وفقًا لصراحة النص فلا بد من موافقة (5) أعضاء حدًا أدنى. لكن صراحة النص أيضًا تؤدي إلى نتيجة غير منطقية، وهي صدور الحكم أو القرار بموافقة (5) أعضاء مهما كان عدد أعضاء المحكمة، فلو افترضنا أنه تم تشكيل المحكمة من (15) عضوًا، فإن القرار يحتاج إلى موافقة (5) أعضاء فقط، فيصدر القرار على الرغم من أن (10) أعضاء رفضوا إصداره، فلو رأى (5) أعضاء أن النص محل الطعن يتوافق مع الدستور، ورأى (10) أعضاء أن النص غير دستوري فسيصدر حكم المحكمة متضمنًا تأكيد دستورية النص؛ تطبيقًا لصراحة النص الذي حدد أغلبية (5) أعضاء شرطًا لصدور الحكم المتعلق بالطعن بعدم الدستورية.إن (5) أعضاء من أصل (15) لا تعد أغلبية، الأمر الذي يؤدي إلى تعذر صدور القرار وفق الأغلبية التي تطلبها المشرع والحالة هذه، وعليه؛ يمكن القول إن اشتراط المشرع موافقة أغلبية (5) أعضاء في جميع الحالات التي تنعقد بها المحكمة دون مراعاة عدد الأعضاء الذين تتألف منهم المحكمة وعدد الأعضاء الذين انعقدت بهم المحكمة للنظر في الطعن أو طلب التفسير يحتاج إلى إعادة نظر؛ بحيث يتم اشتراط أغلبية عدد الأعضاء الذين انعقدت بهم المحكمة دون اشتراط عدد معين.