أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أردننا في عيوننا مشروعٌ وطنيّ يصنع من العدسة ذاكرة


عهد عباسي

أردننا في عيوننا مشروعٌ وطنيّ يصنع من العدسة ذاكرة

مدار الساعة ـ

في زمن الصورة المتسارعة، لم يعد التصوير الفوتوغرافي مجرد هوايةٍ أو بحثٍ عن لقطةٍ عابرة، بل غدا لغةً تحفظ الذاكرة، وتوثّق المكان، وتعرّف العالم بهوية الشعوب.

ومن هنا تبرز أهمية مشروع «أردننا في عيوننا.. من الهواية إلى الاحتراف»، بوصفه مبادرةً وطنيةً وثقافيةً تفتح أمام الشباب الأردني آفاقاً رحبة للإبداع، وتمنحهم فرصةً لرؤية وطنهم بعينٍ مغايرة؛ عينٍ تدرك في الجبل حكاية، وفي الشارع ذاكرة، وفي الإنسان قصة، وفي الطبيعة جمالاً يستحق التوثيق.

ولا يقتصر المشروع على تعليم الشباب تقنيات التصوير، بل يسعى إلى صقل وعيهم البصري ليكونوا قادرين على جعل الصورة وسيلةً فاعلة للتعبير عن الأردن، وتوثيق تنوعه وتفاصيله التي تشكل هويته الفريدة.

وتستحق وزارة الثقافة الأردنية الشكر والتقدير على دعمها لهذا المشروع واحتضانها لفكرته، انطلاقاً من إيمانها بأن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ من الإنسان، وأن الشباب هم الأقدر على صناعة الصورة الجديدة للأردن.

إن دعم الوزارة للمشروع لا يمثل دعماً لورشة تدريبية عابرة، بل يعكس رؤية ثقافية تتجه نحو اكتشاف الطاقات الشابة وتمكينها وإيجاد مساحات حقيقية أمامها للتعلم والممارسة والإبداع.

وكما أن انتقال المشروع بين المحافظات يحمل رسالة بالغة الأهمية، مفادها أن الموهبة الأردنية موجودة في كل مكان، وأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في مركز واحد، بل يجب أن تصل إلى الشباب حيث هم، وأن تمنحهم الفرصة ليكتشفوا أنفسهم ويكتشفوا أوطانهم في الوقت ذاته.

ولهذا، فإن الشكر للوزارة هو في جوهره تقدير لرؤية آمنت بأن الصورة يمكن أن تكون جزءاً من التنمية الثقافية والوطنية.

يبرز في هذا المشروع دور المصور والمدرّب سامي الزعبي، الذي لم يتعامل مع الفكرة كبرنامجٍ تعليميّ فحسب، بل بوصفها مشروعاً يحمل رسالةً وطنيةً سامية تجاه الأردن وشبابه؛ فالمبدع لا يكتفي بنقل ما يراه، بل يضيء للآخرين سبل اكتشاف الرؤى الكامنة، وهو ما يمنح التجربة قيمتها الحقيقية.

ويمزج التدريب هنا بين المعرفة والممارسة الميدانية، وبين التقنية والإحساس، وبين الكاميرا والإنسان والمكان؛ ليتحول المتدرب من باحثٍ عن صورةٍ جميلة إلى فنان يمتلك رؤيةً بصرية، يعرف كيف يقرأ الضوء والمشهد، ويحوّل التفاصيل الصغيرة إلى لغةٍ تعبيريةٍ تبرز قيمة المكان.

وبهذا، يتجاوز المشروع كونه تدريباً تقنياً على التصوير، ليصبح تجربةً متكاملةً لتنمية المواهب وصقلها.

ولأن المشاريع الكبرى لا ينجزها فردٌ بمفرده، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تشكيل فريق وطني من المصورين والمبدعين، يجمع الشباب من مختلف المحافظات تحت مظلة واحدة، لتبادل الخبرات والأفكار والتجارب، والعمل على إنتاج محتوى بصري يليق بلا

لا تُمثّل الهوية قيداً، بل تنوعاً يثري المشهد الوطني؛ فمن عجلون بغاباتها وقلعتها، إلى مأدبا بفسيفسائها وإرثها الحضاري، ومن الطفيلة بطبيعتها وتاريخها إلى بقية محافظات المملكة، تصنع هذه العدسات أرشيفاً بصرياً حياً للأردن.

إنّ فريقاً كهذا لا يقتصر دوره على كونه مجموعة من المصورين، بل هو نواة لصناعة بصرية أردنية تخدم قطاعات الثقافة والسياحة والإعلام والبيئة والتراث، وتفتح أمام الشباب آفاقاً للعمل والاحتراف وصناعة المحتوى، انطلاقاً من إيمانهم بأن تنوع المحافظات ليس اختلافاً بل هوية جامعة.

ختاماً، يتجاوز مشروع «أردننا في عيوننا» كونه مجرد تدريب على التصوير ليغدو فكرة وطنية ملهمة تستحق الرعاية والتوسع؛ فهو يضع الشباب في قلب عملية توثيق الأردن وصياغة صورته المستقبلية.

إن أجمل ما في هذا المشروع هو دعوته للشباب ألا يكتفوا برؤية الوطن من بعيد، بل أن يقتربوا من تفاصيله، ويستكشفوا جماله بعين المحب والمبدع. ومن هنا تنبثق التنمية الحقيقية؛ حين يستحيل الشغف معرفةً، والمعرفة إبداعاً، والإبداع أثراً ملموساً. فكل صورة نتاج هذه التجربة ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي شهادة جيل جديد يقول للعالم: هذا هو الأردن كما رأيناه بكل ما فيه من جمال وتنوع وإنسانية، وهذا هو وطننا الذي نحمله في عيوننا قبل أن ترصده عدساتنا.

مدار الساعة ـ