أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحوكمة في عصر التحولات الكبرى.. هل ما زلنا ندير مؤسسات المستقبل بعقلية الماضي؟


مؤيد المجالي

الحوكمة في عصر التحولات الكبرى.. هل ما زلنا ندير مؤسسات المستقبل بعقلية الماضي؟

مدار الساعة ـ

لم يعد العالم يتحرك بالسرعة التي اعتدنا عليها، ولم تعد المؤسسات تملك رفاهية الانتظار حتى تستقر المتغيرات ثم تبدأ في التعامل معها.

العالم اليوم يعيش فوق أرض متحركة؛ اقتصاد يتغير، وتكنولوجيا تعيد تشكيل أسواق العمل، وذكاء اصطناعي يقتحم تفاصيل الحياة والإدارة وصناعة القرار، وأزمات جيوسياسية تتوالد بسرعة، ومجتمعات تتغير توقعاتها من الدولة والمؤسسة والخدمة العامة.

وفي قلب هذه التحولات الكبرى تبرز كلمة أصبحت أكثر حضوراً من أي وقت مضى: (الحوكمة).

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نطبق الحوكمة؟

السؤال الأخطر هو: أي حوكمة نحتاج في عالم لم يعد يشبه عالم الأمس؟

الحوكمة ليست مزيداً من التعليمات:

أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نختزل الحوكمة في كثرة الأنظمة والتعليمات واللجان ومحاضر الاجتماعات.

فالورق لا يصنع حوكمة، وكثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة حسن الإدارة، وتعدد جهات الرقابة لا يعني بالضرورة وجود مساءلة حقيقية.

الحوكمة في جوهرها هي أن نعرف (من يقرر، ولماذا يقرر، وكيف يقرر، وتحت أي رقابة، وما النتائج المترتبة على القرار، ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون القرار خاطئاً).

ولهذا فإن الحوكمة الحقيقية لا تقاس بعدد الأنظمة الموجودة في المؤسسة، وإنما بقدرتها على منع تضارب المصالح، وإغلاق أبواب الفساد، وضمان العدالة في اتخاذ القرار، وحماية المال العام، ورفع كفاءة الأداء، وربط السلطة بالمسؤولية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الحوكمة إلى (طقس إداري) بدلاً من أن تكون ثقافة مؤسسية.

عندها يصبح الموظف معنياً باستكمال النموذج أكثر من تحقيق الهدف، وبالحصول على التواقيع أكثر من حل المشكلة، وبحماية نفسه إدارياً أكثر من حماية المصلحة العامة.

وهنا تفقد الحوكمة معناها.

من حكومة الإجراءات إلى حكومة النتائج:

لسنوات طويلة، كانت المؤسسات تُدار بمنطق: هل اتبعنا الإجراء؟

أما المرحلة المقبلة فتفرض سؤالاً أكثر أهمية:

ماذا حققنا؟

فالنجاح الحكومي لا ينبغي أن يقاس بعدد الكتب الرسمية التي صدرت، أو الاجتماعات التي عقدت، أو المعاملات التي أنجزت، وإنما بمدى تحسن حياة المواطن، وجودة الخدمة العامة، وكفاءة الإنفاق، وسرعة الاستجابة، وقدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها.

وهذا يعني أن الحوكمة الحديثة مطالبة بالانتقال من (حوكمة المدخلات والإجراءات) إلى (حوكمة النتائج والأثر).

ليس المهم فقط أن تكون العملية قانونية، وإنما أن تكون أيضاً رشيدة وفعالة وعادلة وقابلة للقياس.

الذكاء الاصطناعي يطرح سؤالاً جديداً:

دخلنا بالفعل إلى عصر لا تستطيع فيه الحوكمة التقليدية أن تقدم وحدها إجابات كافية.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار وتحليل البيانات وتقديم الخدمات وإدارة الموارد.

لكن السؤال هنا ليس كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما:

كيف نحكم الذكاء الاصطناعي؟

من المسؤول عن القرار الذي تنتجه خوارزمية؟

من يراجع البيانات التي بُني عليها القرار؟

ماذا لو كانت الخوارزمية منحازة؟

من يتحمل المسؤولية إذا أدت توصية آلية إلى قرار خاطئ؟

وكيف نضمن ألا تتحول التكنولوجيا من أداة لخدمة الإنسان إلى أداة لمراقبته أو التمييز ضده؟

هذه الأسئلة لم تعد فلسفية، بل أصبحت أسئلة قانونية وإدارية وأخلاقية عاجلة.

ومن هنا ستظهر الحاجة إلى مفهوم جديد هو (حوكمة الخوارزميات والبيانات)، بما يضمن الشفافية، وحماية الخصوصية، وإمكانية المراجعة، وتحديد المسؤولية البشرية عن القرارات ذات الأثر على حقوق الناس.

البيانات أصبحت سلطة:

في الماضي كانت القوة ترتبط بالمال والسلاح والمؤسسات.

أما اليوم فقد أصبحت (البيانات قوة).

ومن يمتلك البيانات يمتلك قدرة هائلة على التنبؤ والتحليل والتأثير وصناعة القرار.

ولهذا فإن الدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى استراتيجية للتحول الرقمي، وإنما تحتاج إلى استراتيجية متكاملة لحوكمة البيانات.

- من يملك البيانات؟

- من يستطيع الوصول إليها؟

- كيف يتم استخدامها؟

- كيف تحمى؟

- ومتى يجوز مشاركتها؟

- وكيف نمنع استخدامها لتحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة؟

هذه ليست أسئلة تقنية؛ إنها أسئلة تتصل بالحقوق والحريات والأمن الوطني والاقتصاد والسيادة.

الحوكمة والفساد: المعركة الحقيقية:

لا يمكن الحديث عن الحوكمة دون الحديث عن الفساد.

لكن مكافحة الفساد لا تبدأ دائماً من العقوبة بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ من تصميم مؤسسي يجعل الفساد أكثر صعوبة.

كلما كان القرار غامضاً، والصلاحيات متداخلة، والمعلومات محجوبة، والرقابة ضعيفة، والمسؤولية موزعة بطريقة تجعل من الصعب تحديد صاحب القرار، اتسعت مساحة الفساد.

أما المؤسسة التي تكون فيها الصلاحيات واضحة، والقرارات قابلة للتتبع، والمعلومات متاحة، وتضارب المصالح منظماً، والرقابة مستقلة، والمساءلة حقيقية، فإنها تضيق مساحة الفساد فيها.

ومن هنا فإن الحوكمة ليست فقط أداة لتحسين الأداء؛ إنها (خط دفاع مؤسسي ضد الفساد وسوء استخدام السلطة).

أخطر ما يهدد الحوكمة: غياب المسؤولية:

قد تكون لدينا أفضل القوانين والأنظمة، لكن إذا لم يكن هناك من يتحمل مسؤولية القرار، فإن النظام يتحول إلى غطاء يحمي الجميع ولا يحاسب أحداً.

وهذه واحدة من أخطر مشكلات الإدارة الحديثة:

(توزيع المسؤولية حتى تختفي المسؤولية).

عشرات اللجان، ومئات التواقيع، ومراسلات لا تنتهي، ثم عندما يقع الخطأ لا نجد شخصاً مسؤولاً عنه.

الحوكمة الحقيقية تقتضي العكس تماماً:

(وضوح الصلاحية يجب أن يقابله وضوح المسؤولية).

من يملك سلطة القرار يجب أن يتحمل نتائجه، ومن يملك المال العام يجب أن يخضع للمساءلة، ومن يشغل موقعاً قيادياً يجب أن يقاس أداؤه بنتائج المؤسسة لا بعدد السنوات التي قضاها في منصبه.

هل تصلح عقلية الماضي لإدارة المستقبل؟

هنا تكمن المسألة الأكثر حساسية.

لا يمكن أن نبني مؤسسات المستقبل بعقلية إدارية تقوم على المركزية المفرطة، والخوف من اتخاذ القرار، وطول الإجراءات، ومقاومة التغيير، واعتبار المبادرة مخاطرة.

العالم الجديد يحتاج إلى مؤسسات (رشيقة، مرنة، ذكية، سريعة الاستجابة).

لكن المرونة لا تعني الفوضى، والسرعة لا تعني تجاوز القانون، والابتكار لا يعني غياب الرقابة.

المطلوب هو بناء معادلة جديدة:

(قانون يحمي الحقوق + إدارة مرنة + رقابة ذكية + مسؤولية واضحة + بيانات مفتوحة + قرار قائم على الأدلة).

وهذه هي الحوكمة التي يحتاجها المستقبل.

المواطن لم يعد متلقياً صامتاً:

هناك تحول آخر لا يقل أهمية.

المواطن اليوم أكثر معرفة، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، وأكثر قدرة على مقارنة أداء مؤسسته بدول ومؤسسات أخرى.

ولذلك لم يعد يقبل بسهولة أن يقال له: "هذه هي الإجراءات".

هو يريد أن يعرف:

- لماذا؟

- وكم تستغرق المعاملة؟

- من المسؤول؟

- ما معيار الخدمة؟

- لماذا حصل شخص على الخدمة ولم يحصل عليها آخر؟

- وما الذي تفعله الدولة بأمواله؟

وهذا يعني أن الحوكمة الحديثة يجب أن تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن.

المواطن ليس مجرد (متلقٍ للخدمة)؛ بل هو (شريك في تقييمها ومراقبة جودتها وصناعة السياسات التي تمسه).

الحوكمة في الأردن: فرصة لإعادة بناء الثقة:

وفي الحالة الأردنية، فإن إعادة التفكير في الحوكمة يجب ألا تكون مجرد استجابة لمتطلبات دولية أو شعاراً يضاف إلى خطط الإصلاح.

إنها فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

نحن بحاجة إلى الانتقال من الإصلاح الذي يركز على تعديل النصوص إلى إصلاح يركز على (تغيير طريقة عمل المؤسسات).

نحتاج إلى مؤسسات تقيس نتائجها، وتكشف معلوماتها، وتوضح مسؤولياتها، وتراجع قراراتها، وتحارب تضارب المصالح، وتستخدم التكنولوجيا بطريقة مسؤولة، وتكافئ الكفاءة، وتحاسب التقصير.

والأهم من ذلك كله، نحتاج إلى أن تصبح الحوكمة (ثقافة دولة) لا مشروعاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء خطة أو حكومة.

الحوكمة ليست عائقاً أمام القرار:

هناك من ينظر إلى الحوكمة باعتبارها كثرة من القيود التي تعطل الإدارة.

وهذا فهم خاطئ.

الحوكمة الجيدة لا تعطل القرار، وإنما تحمي القرار الجيد من القرار العشوائي.

ولا تمنع المسؤول من ممارسة صلاحياته، وإنما تمنع تحويل الصلاحية إلى سلطة بلا حدود.

ولا تعرقل الاستثمار، وإنما توفر بيئة واضحة ومستقرة تحمي المستثمر والدولة معاً.

ولا تعادي الإدارة، وإنما تحمي الإدارة من التدخلات غير المشروعة ومن القرارات المرتجلة.

نحن بحاجة إلى حوكمة تفكر قبل أن تستجيب:

الحوكمة التقليدية تسأل: كيف نتعامل مع المشكلة بعد وقوعها؟

أما حوكمة المستقبل فتسأل:

كيف نتوقع المشكلة قبل وقوعها؟

وهنا يأتي دور البيانات، والتحليل الاستباقي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر، وسيناريوهات المستقبل.

فالدولة التي تنتظر الأزمة حتى تقع ثم تبدأ بتشكيل اللجان ليست كالدولة التي تمتلك أنظمة للإنذار المبكر وتقرأ المؤشرات وتستعد للسيناريوهات المحتملة.

العالم القادم لن يكافئ المؤسسات التي تعرف كيف تدير الأزمات فقط، بل سيكافئ (المؤسسات التي تستطيع توقعها والاستعداد لها).

الخلاصة: الحوكمة ليست ترفاً:

لقد انتهى الزمن الذي يمكن فيه للمؤسسات أن تعمل بالطريقة نفسها لعقود ثم تتوقع نتائج مختلفة.

التحولات الكبرى تفرض علينا أن نعيد النظر في كل شيء: في طريقة اتخاذ القرار، وفي توزيع الصلاحيات، وفي أنظمة الرقابة، وفي إدارة الموارد، وفي علاقة الدولة بالمواطن، وفي استخدام التكنولوجيا، وفي مفهوم المسؤولية ذاته.

إن الحوكمة التي نحتاجها اليوم ليست حوكمة الخوف من الخطأ، وإنما (حوكمة تمنع الخطأ وتحاسب عليه عندما يقع، وفي الوقت ذاته تشجع المسؤول على المبادرة والابتكار).

- وليست حوكمة كثرة التواقيع، وإنما (حوكمة وضوح المسؤوليات).

- وليست حوكمة الملفات المغلقة، وإنما (حوكمة الشفافية والمعلومات).

- وليست حوكمة الماضي، وإنما (حوكمة تستشرف المستقبل).

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:

هل لدينا حوكمة؟

بل:

هل حوكمتنا قادرة على مواجهة العالم الذي يتشكل أمامنا؟

فالعالم يتغير بسرعة مذهلة، ومن لا يطوّر مؤسساته سيجد نفسه يوماً ما يدير (عالم المستقبل بأدوات الماضي).

وحينها لن تكون المشكلة في أن الحوكمة قد فشلت...

بل في أننا (لم نعد نفكر فيها بالطريقة التي يحتاجها المستقبل).

مدار الساعة ـ