من المفارقات التي تستحق التوقف عندها في التعليم الجامعي العربي أننا نريد خريجًا قادرًا على المنافسة عالميًا، والالتحاق بالدراسات العليا في الجامعات المرموقة، والعمل في المؤسسات الدولية والسفارات ومراكز الأبحاث والشركات والمنظمات، ومتابعة أحدث ما ينتجه العالم من معرفة، ثم لا نوفر له خلال سنوات دراسته الجامعية فرصة كافية لدراسة تخصصه باللغة التي يُنتج بها جانب كبير من هذه المعرفة. ولذلك، أعتقد أن الوقت قد حان لكي تبدأ الجامعات الأردنية نقاشًا جادًا وشجاعًا حول توسيع نطاق التدريس باللغة الإنجليزية، ليس في العلوم الطبية والهندسية والطبيعية وحدها، وإنما في كثير من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية أيضًا.
ولا ينبغي أن نفهم هذا الطرح بوصفه دعوة إلى إقصاء العربية أو التقليل من مكانتها. العربية لغتنا الوطنية، ووعاء ثقافتنا وفكرنا وهويتنا، وستبقى ضرورة أكاديمية ووطنية لا غنى عنها. لكن الاعتزاز بالعربية لا ينبغي أن يتحول إلى عزل للطالب عن المعرفة العالمية، كما أن التدريس بالإنجليزية لا يعني التخلي عن العربية. القضية ليست صراعًا بين لغتين، بل هي كيفية إعداد خريج يمتلك لغته الوطنية بإتقان، ويملك في الوقت نفسه لغة العلم والتواصل الدولي.ومن واقع تجربتي الأكاديمية في العلوم السياسية، أجد أن الحاجة إلى هذا التحول واضحة بصورة خاصة. فمن يدرس العلاقات الدولية، والنظرية والفكر السياسي، والسياسة المقارنة، والسياسة الخارجية، والاقتصاد السياسي الدولي، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، ومناهج البحث، يدرك أن نسبة كبيرة جدًا من الأدبيات الأصلية والحديثة والمؤثرة في هذه المجالات منشورة باللغة الإنجليزية. كما أن كثيرًا من النظريات والمفاهيم والمناقشات العلمية يصل إلى الطالب العربي متأخرًا إذا ظل اعتماده الأساسي على ما تتم ترجمته إلى العربية.لكن المسألة أوسع من العلوم السياسية. فالحاجة نفسها، بدرجات متفاوتة، قائمة في الاقتصاد، وإدارة الأعمال، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والإعلام والاتصال، والدراسات التنموية، والعلاقات الدولية، والدراسات الدبلوماسية، ودراسات الهجرة واللجوء، وحقوق الإنسان، والعمل الاجتماعي، والآثار والسياحة، وبعض تخصصات التربية والقانون وغيرها من حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية. ففي معظم هذه التخصصات يتسارع الإنتاج المعرفي العالمي، وتصدر أبحاث ودراسات ونظريات ومناهج جديدة بصورة مستمرة، ويحتاج الطالب إلى الوصول إليها من مصادرها الأصلية بدل الاكتفاء بما يتوافر مترجمًا منها.إن الجامعة التي تريد أن تكون جزءًا من منظومة المعرفة العالمية لا يكفي أن تطلب من طلبتها اجتياز مساقات عامة في اللغة الإنجليزية. هناك فرق كبير بين أن يعرف الطالب الإنجليزية بوصفها لغة، وبين أن يستطيع قراءة مقال علمي متخصص، وتحليل نظرية، وكتابة بحث أكاديمي أو ورقة سياسات، وإعداد تقرير مهني، وتقديم عرض ومناقشة قضية معقدة باللغة الإنجليزية. وهذه المهارات لا تُكتسب في فصل دراسي واحد، وإنما بالممارسة اليومية داخل التخصص نفسه.ثم إن القضية ليست أكاديمية فحسب، وإنما ترتبط مباشرة بسوق العمل. فخريجو العلوم الإنسانية والاجتماعية يعملون اليوم في بيئة مختلفة جذريًا عن البيئة التي كانت قائمة قبل عقود. فالوزارات والسفارات والمنظمات الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية ومراكز الدراسات والأبحاث والمؤسسات التنموية والإعلام الدولي والشركات الكبرى والهيئات الإقليمية والدولية تحتاج إلى خريجين يمتلكون إلى جانب المعرفة التخصصية قدرة عالية على التواصل والكتابة والعمل باللغة الإنجليزية.وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يكفي أن نقول لخريج العلوم السياسية أو الاقتصاد أو الإعلام أو علم الاجتماع إنه درس اللغة الإنجليزية لعدة ساعات معتمدة، ثم نتوقع منه أن ينافس على وظيفة تتطلب منه كتابة تقرير تحليلي أو إعداد موجز سياسات أو إجراء مقابلة أو تقديم عرض باللغة الإنجليزية؟المشكلة في رأيي ليست في قدرات طلبتنا، وإنما في أننا لم نوفر دائمًا البيئة التي تجعل اللغة جزءًا من تكوينهم التخصصي والمهني. ولذلك فإن المطلوب ليس إضافة مساق جديد في اللغة الإنجليزية إلى الخطة الدراسية، وإنما إعادة التفكير في العلاقة بين اللغة والتخصص وسوق العمل.وفي الوقت نفسه، علينا أن نعترف بأن مستويات الطلبة في اللغة الإنجليزية ليست متساوية، وأن فرض التدريس بها بصورة شاملة وفورية قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة، وربما يحول اللغة من أداة للمعرفة إلى حاجز أمامها. ومن هنا أرى أن النموذج الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في إنشاء مسارين أكاديميين متوازيين في التخصصات التي تسمح طبيعتها بذلك: مسار باللغة العربية، ومسار باللغة الإنجليزية.يظل المسار العربي متاحًا للطلبة وفق رغباتهم واستعداداتهم، بينما يُتاح المسار الإنجليزي لمن يرغب فيه ويمتلك الحد المطلوب من الكفاءة اللغوية. ويمكن للجامعات وضع معايير واضحة للالتحاق بالمسار الإنجليزي، وتوفير برامج تأسيس ودعم أكاديمي ولغوي لمن يحتاج إليها. وبذلك لا نفرض الإنجليزية على الجميع، ولا نحرم الطالب المؤهل والطموح من فرصة دراسية قد تغير مستقبله الأكاديمي والمهني.كما يمكن البدء بصورة تدريجية. ففي العلوم السياسية، على سبيل المثال، يمكن طرح مساقات نظريات العلاقات الدولية والسياسة المقارنة والسياسة الخارجية ومناهج البحث والدراسات الاستراتيجية باللغة الإنجليزية. وفي الاقتصاد وإدارة الأعمال يمكن البدء بالمساقات ذات الطبيعة الدولية والتحليلية، وفي الإعلام بالاتصال الدولي والإعلام الرقمي، وفي علم الاجتماع بالدراسات التنموية والهجرة والمناهج البحثية، وفي بقية التخصصات بالمساقات الأكثر ارتباطًا بالأدبيات العالمية. وبعد ذلك تقيم التجربة على أساس نتائج الطلبة وآرائهم ومستوى التحصيل ومدى استفادتهم منها، قبل الانتقال إلى برامج كاملة.وفي الأردن تجارب جامعية يمكن البناء عليها وتطويرها. وقد قطعت الجامعة الأردنية في عدد من التخصصات والبرامج، ولا سيما بعض برامج الدراسات العليا، خطوات في استخدام الإنجليزية في التدريس والعمل الأكاديمي. والمطلوب أن تخضع مثل هذه التجارب للدراسة والتقييم، وأن نستفيد مما نجح فيها، وأن نطورها ونوسعها حيثما تكون الحاجة والجاهزية متوافرتين، بدل أن تبقى تجارب محدودة لا تتحول إلى سياسة أكاديمية قابلة للتطوير والتعميم.ويتطلب ذلك كذلك الاستثمار في عضو هيئة التدريس وفي الطالب معًا. فليس كل من يعرف الإنجليزية قادرًا بالضرورة على تقديم مادة علمية معقدة بها بكفاءة، كما أن الطالب يحتاج إلى دعم يتجاوز تعليم القواعد والمفردات العامة. ويمكن للجامعات تطوير مساقات متخصصة مثل اللغة الإنجليزية للعلوم السياسية، واللغة الإنجليزية للاقتصاد، واللغة الإنجليزية للإعلام والعلوم الاجتماعية، بحيث يتعلم الطالب لغة تخصصه ومصطلحاته وأساليب الكتابة والبحث والتواصل المهني فيه.والأهم ألا نقع في الخطأ المقابل فنصنع خريجًا يجيد الحديث عن تخصصه بالإنجليزية لكنه يعجز عن التعبير عنه بالعربية. المطلوب هو الخريج ثنائي الكفاءة: طالب يستطيع كتابة ورقة بحثية أو تقرير دولي بالإنجليزية، وفي الوقت نفسه يستطيع كتابة مقال أو مذكرة أو تحليل رصين بالعربية؛ يستطيع مخاطبة المجتمع الذي ينتمي إليه، كما يستطيع مخاطبة العالم.هذه ليست قضية لغوية فقط، بل قضية تتعلق بمستقبل جامعاتنا وموقعها وقدرة خريجيها على المنافسة. فالعالم لا ينتظرنا حتى نترجم كل ما ينتجه من معرفة، وسوق العمل لا يغير شروطه ليتناسب مع خططنا الدراسية. والجامعة التي تريد أن تكون حديثة لا يكفي أن تغير أسماء المساقات أو تعدل الخطط كل عدة سنوات؛ عليها أن تسأل نفسها بوضوح: أي خريج نريد أن نصنع؟ وما الأدوات التي سيحتاج إليها بعد خمس أو عشر سنوات؟لهذا فإنني أدعو الجامعات الأردنية إلى البدء بمشروع أكاديمي وطني مدروس لتوسيع التدريس باللغة الإنجليزية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإنشاء مسارات موازية باللغة الإنجليزية في التخصصات المناسبة، بدءًا من الجامعات والأقسام الأكثر جاهزية، مع المحافظة على المسار العربي وتطويره في الوقت ذاته.لا نحتاج إلى قرار متسرع ولا إلى تعميم قسري، بل إلى شجاعة التجربة وحسن التخطيط والتقييم المستمر. نبدأ بعدد من البرامج والمساقات، نقيس النتائج، نصحح الأخطاء، ثم نتوسع فيما يثبت نجاحه.فاللغة العربية يجب أن تبقى راسخة في جامعاتنا، لكن إتقان الإنجليزية يجب أن يصبح كذلك جزءًا أصيلًا من أدوات خريج الجامعة الأردنية. نحن لا نريد جيلًا يختار بين لغته والعالم؛ نريد جيلًا يمتلك لغته، ويذهب بها وبالإنجليزية إلى العالم بثقة واقتدار.وإذا كانت المعرفة أصبحت عالمية، والمنافسة عالمية، وسوق العمل أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى، فقد آن الأوان لأن تنتقل جامعاتنا في هذا الملف من التردد إلى المبادرة، ومن النقاش حول جدوى الفكرة إلى تجربة الفكرة وتطويرها وقياس نتائجها.جامعاتنا والإنجليزية.. آن أوان الانتقال من التردد إلى المبادرة
مدار الساعة ـ