ثمة سؤال يُطرح، منذ سنوات، وما يزال بلا إجابة نهائية: هل تريد الدولة الأردنية إعلاماً قوياً، جاذباً للرأي العام، أم "لا"..؟
تشكل إجابة هذا السؤال المعلق مفتاحاً ضرورياً لفهم مسألتين؛ الأولى: واقع الإعلام وما يواجهه من إشكاليات مهنية وصعوبات مادية. والأخرى: مقدار تأثيره في إدارة وتنظيم المعلومات والنقاش في المجال العام.الإشكال هنا أن أحداً لا يريد إخضاع واقع الإعلام لنقاش حقيقي يخلص إلى تقييمات موضوعية تحدد وجوه الخلل، وتقترح شكل المعالجة، وكأن المطلوب إبقاء الأمر معلقاً بين رأيين أو اتجاهين:الأول، يرى أن منصات التواصل الاجتماعي، رغم كره الدولة لها، يمكن أن تكون بديلاً إعلامياً، بوصفها الوسائل الأكثر جماهيرية والأسرع انتشاراً في نقل الأخبار والمعلومات إلى الرأي العام.والرأي الآخر، لا ينظر إلى منصات التواصل الاجتماعي كبديل إعلامي، وإنما ينحاز إلى الإعلام الرقمي، لا بوصفه رديفاً ومكملاً، وإنما باعتباره بديلاً محتملاً للإعلام التقليدي.هنا يصبح التساؤل ملحّاً ومركزياً: هل هذا الفهم سليم؟ وهل هذا الاتجاه صحيح؟الإجابة البديهية: لا.. فالأمر لا يناقَش بهذه الطريقة، ولا بهذا القدر من التبسيط.أقله، لا تقول الضوابط والمحددات المهنية، ولا طبيعة الأدوار والوظائف الإعلامية، لا عندنا ولا في أي دولة، إن بمقدور منصات التواصل الاجتماعي أن تلغي دور الإعلام أو تكون بديلاً عنه.ولا يستطيع الإعلام الرقمي أن يكون بديلاً موضوعياً للإعلام التقليدي، وإنما رديفاً له ومكملاً لدوره.هذا الفهم لم يخلط، فقط، بين المفاهيم، بل أيضاً لم يميز الفارق في الأدوار بين وسائل "التواصل الاجتماعي" والإعلام، التقليدي والرقمي.الأهم من ذلك، أن نتيجة هذا الفهم لم تقف عند وضع هذه الوسائل في سلة واحدة، وإنما أيضاً عند الوقوف على حقيقة أن الدولة لم تبنِ، من خارج الإعلام، أدوات مؤثرة لإدارة وتنظيم المعلومات والنقاش في المجال العام، ولم تمكِن الإعلام من أن يقوم بذلك.هذا واقع قائم؛ لا يمكن إنكاره ولا التعايش معه، وفي المقابل، لا يعقل أن نتجاوزه بدون علاج.. وأول المعالجة الوقوف على حال الإعلام، وإدراك مشكلاته والوعي بها، والبحث عن حلول لها..حال الإعلام..منذ سنوات، والإعلام يواجه أزمة مالية قيدت قدرته على التطوير واستقطاب كفاءات، وباستثناء دعم مالي محدود مباشر، بقي هذا الإعلام منشغلاً بإدارة ديونه المليونية، وتأمين رواتب كوادره.هذا الواقع الصعب كان تهديداً لبقاء الصحف، إلى أن نظم الإعلان القضائي، ورفع سعر الإعلان الحكومي قبل ثماني سنوات تقريباً، الأمر الذي مكّنها من البقاء إلى الآن.لكنه أشبه بالبقاء على الحافة، بالكاد يكفي لتسيير شؤونها بالحد الأدنى، لا أكثر من ذلك، ولا أقل.مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ووكالة الأنباء "بترا"، وقناة المملكة ليست أفضل حالاً؛ فتواضع موازناتها وتآكلها يحولان دون قيامها بعملها كما يفترض، ويصبح وضعها، كما الصحف، أكثر تعقيداً مع القيود والحدود المرسومة لعملها.المفارقة أن الدولة تريد من الإعلام أن يقدم لها كل شيء، من غير أن تكون ملزمة بأن تقدم له شيئاً استثنائياً.أي إنها، مرة، تتعامل مع الإعلام، وبخاصة في الأزمات، بوصفه ذراعاً ملزماً بالدفاع عنها (...)، وفي أخرى، إذا احتاج هذا الإعلام دعماً رسمياً حقيقياً، لا هامشياً، تتذرع بأن الصحف مؤسسات مستقلة، ولا سند قانونياً يمكّن من دعمها، ومسؤوليتها أن تدبر شؤونها، وتتعذر بظروف الموازنة الصعبة إذا ما طلب الإعلام الرسمي زيادة موازناته لتمكينه تمكيناً لائقاً.هل هذه مشكلة حالة الإعلام الوحيدة، وهو الذي يفترض أن يكون "القوة الناعمة" للدولة؟الجواب: لا..في السنوات الأخيرة، شكّل الإعلام الرقمي هاجساً سيطر على تفكير مسؤولين معنيين، وصار هو شاغلهم الأول، وأعطوه تركيزاً مضاعفاً على حساب الإعلام التقليدي.الأصل أن تكون نظرة المسؤولين عادلة ومتساوية؛ لأن هذين الإعلامين، الرقمي والتقليدي، يحتفظان بأسباب، ذاتية وموضوعية، كافية لمنع أن يلغي أيٌّ منهما الآخر.فـ"الرقمي"، ببساطة، لا يمكنه الاستغناء عن المحتوى المهني الذي يستطيع "التقليدي" أن يوفره، والأخير يريد ميزة سرعة الانتشار من "الرقمي" لنقل محتواه إلى الفضاء العام، وإدارة النقاش حوله.هكذا تجري الأمور في جزء مهم من العالم؛ إعلام تقليدي يعتمد أداء مهنياً احترافياً لإنتاج المحتوى، وأخلاقيات صارمة تضبط جودته.. وإعلام رقمي من بين أهم أدواره إيصال هذا المحتوى إلى أوسع نطاق.لا ينقصنا شيء لكي نوائم بين الوسيلتين؛ ولكن حتى نكون من بين الأفضل، يجب أن نعالج أمراً مهماً، فالمسألة أعمق، وأبعد من أن تقف عند توافر كوادر مؤهلة، فهي موجودة بكثرة، وإنما في ما يمكن وصفه بـ"الاستعصاء المهني" الناتج عن حدود وقيود تريده، في الغالب، متمحوراً حول نقل الأخبار والأحداث، لا يفسرها ولا يحللها، ولا يفتحها لنقاش موضوعي متعدد الآراء.الضرر الأكبر هنا، لا يقتصر على تراجع نوعية محتوى الإعلام ومهنيته، وإنما امتد إلى علاقة الناس به؛ فتراجعت، على نحو لا يمكن إنكاره، ثقة أغلبية الرأي العام بوسائل الإعلام، وتراجع الالتفات إلى محتواها.الإعلام الرقمي ذاته، الذي أعطته الدولة اهتمامها، وراهنت على قوة تأثيره، لم يستطع أن يفعل شيئاً لسد فجوة الثقة المتنامية، بل جاء محتواه، في جانب كبير، نسخة مكررة عن "التقليدي"؛ فلا أضاف شيئاً نوعياً ومختلفاً، ولا استقطب جمهوراً متنوعاً وواسعاً.إدارة وتنظيم النقاش..الواقع أعلاه، لا يمكن أن ينتج إعلاماً موثوقاً وفاعلاً مؤثراً، بل إعلاماً هامشياً؛ ينشىء فراغاً خطيراً تملؤه منصات التواصل الاجتماعي.ولأن المجال العام يكره الفراغ بطبيعته، ولا يحتمله، تتحول هذه المنصات، بشكل آلي تلقائي، إلى مرجعية أساسية للرأي العام، إما لسد حاجته إلى المعلومات، وإما باعتبارها أداة معتمدة للتعبير عن أنفسهم، أو للأمرين معاً.المشكلة في المنصات ليست في أن يعبر الرأي العام عن نفسه، أو يقدم رأياً موضوعياً، أو يطلق موقفاً مسؤولاً؛ فهذا يفيد الدولة في تقدير وفهم المزاج العام..وإنما في ما توفره من بيئة خصبة لإطلاق شائعات، وتمرير أجندات، وتداول معلومات مغلوطة ومجزأة، وآراء انطباعية، ومواقف انفعالية، لا تقيم وزناً، ولا تضع حساباً لشرط الدقة والموضوعية.كيف يحدث ذلك؟يحدث نتيجة لأمرين أساسيين، وربما خطيرين:الأول: غياب المعلومات والنقاش العام في الإعلام يمنح الحسابات الموجهة على المنصات فرصة أكبر لاستقطاب الرأي العام والتأثير في تفكيره ووعيه واتجاهاته ونوعية مواقفه.والآخر، الذي يفاقم النقطة السابقة: تحول المسؤول، أي مسؤول، عن الإعلام، وتوجهه مباشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، لينقل عبرها رسائله إلى الناس.لكن المسؤول لا يدرك أن سرعة وصول رسائله، عبر هذا الفضاء، إلى الناس، لا تعني أنه أصبح قادراً على إدارة النقاش حولها.فأن تُلقي ما لديك على هذه المنصات شيء، وأن تكون قادراً على تنظيم النقاش حوله شيء مختلف تماماً.ما السبب الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟ببساطة، ثمة أطراف رسمية في هيكل الدولة تعتقد أن جزءاً أساسياً من الإعلام بصورته الراهنة على وشك أن ينتهي، وأن البديل هو الإعلام الرقمي.هذا التقييم، بتقديري، غير دقيق، ويفتقر إلى إدراك أهمية الإعلام التقليدي كجهة إنتاج رئيسية واحترافية لكل أنواع المحتوى.بمعنى، لا يمكن أن يملأ الفراغ الناشىء، لا الإعلام الرقمي، ولا منصات التواصل الاجتماعي، ولا يمكنهما أن يكونا بديلين عن الإعلام التقليدي، لا بوصفه فقط منتجاً للمعلومات، وإنما أيضاً في تفسيرها وفتح وإدارة النقاش حولها.المعضلة ليست في أن الناس تحوّلوا إلى "التواصل الاجتماعي"، فهذا أمر طبيعي، وإنما في دفع الإعلام، الذي قيدت مهنيته، إلى الهامش وترك المجال العام فارغاً ومفتوحاً لمصادر أخرى.والفراغ لا يبقى فراغاً؛ فإذا لم يملأه إعلام مهني متمكن وقادر، ستملؤه جهات أخرى، توظفه كيفما تشاء وقت ما تشاء.إذن، المسألة ليست: أي إعلام نريد، تقليدياً أم رقمياً؟ بل: هل نريد إعلاماً حراً ومهنياً قادراً على إنتاج المعلومات، وإحاطتها بالتفسير والتوضيح، وفتحها للنقاش..؟إذا أجبنا بنعم، يصبح شرطاً لازماً أن تقوي الدولة الإعلام؛ بأن تمنحه الحرية والاستقلالية والدعم المادي؛ فالإعلام القوي والمؤثر لا يُطلب من الصحفيين والإعلاميين، ولا تصنعه قرارات وسياسات إعلامية ملتبسة؛ إنه خيار دولة.فإذا لم يكن هذا الخيار واضحاً، فإن المجال العام لن يبقى فارغاً؛ لأنه، حتماً، سيُملأ بغير الإعلام الذي تحتاجه الدولة والناس.إحداث الفرق لا يحتاج إلى الشيء الكثير؛ فقط قراراً واحداً: أن تتحرر الدولة من خوفها المبالغ فيه من حرية الإعلام، وأن تدرك أن الإعلام الحر والممكَّن ليس خطراً عليها، بل ضمانة لإدارة وضبط النقاش في المجال العام بطريقة أفضل.حين يُقتل الإعلام الأردني.. من يملأ الفراغ؟
راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
مدار الساعة ـ