في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد الاستثمار في البنية التحتية والموارد وحده كافياً لتحقيق التنمية المستدامة، بل أصبح الاستثمار في الإنسان والشباب أساس بناء المستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية «البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب والشابات القيادية» بوصفه مبادرة لتمكين الشباب الأردني وإعداده للمشاركة في التنمية وصناعة القرار، وتعزيز قدرته على التعامل مع متغيرات العصر بثقة ومسؤولية.وانطلاقاً من هذه الرؤية، تمثل المبادرة نقلة نوعية في إعداد القيادات الشابة، إذ تجمع بين المعرفة وتنمية المهارات وتعزيز الوعي الوطني، وتمنح الشباب فرصة للتعرف إلى القضايا التي تشكل حاضر الوطن ومستقبله. فإعداد القيادات لا يقوم على المعرفة وحدها، بل يتطلب شخصية قادرة على فهم الواقع، وتحليل التحديات، والحوار مع الآخرين، واتخاذ القرارات بوعي ومسؤولية.وإذا كانت هذه المهارات تبدأ من بناء الفرد، فإن أثرها يتجاوز الفرد إلى المجتمع. فكل شاب يكتسب مهارات القيادة والحوار يصبح قادراً على التأثير الإيجابي في محيطه، كما تسهم المبادرات في نشر ثقافة المبادرة والعمل وتعزيز قيم المواطنة والانتماء. واتساع دائرة الشباب المؤهلين للقيادة يرفد المجتمع بطاقات قادرة على ابتكار الحلول، والمشاركة في معالجة القضايا، ومواجهة التحديات بطرق أكثر فاعلية.غير أن الوصول إلى هذه النتائج يتطلب النظر إلى ما بعد التدريب؛ فنجاح البرامج يقاس بقدرتها على تحويل المعرفة إلى سلوك، والمهارة إلى ممارسة، والطموح إلى أثر عام. فالشاب الذي يتعلم إدارة الحوار واتخاذ القرار والعمل ضمن فريق، يكتسب أدوات المشاركة في بناء الدولة والمجتمع. ومن هنا تبرز ضرورة توفير مساحات عملية تتيح ترجمة ما تعلمه إلى مبادرات وأفكار تخدم المجتمع وتلامس احتياجاته.ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة مستدامة، تبرز الجامعات الأردنية بوصفها شريكاً أساسياً، من خلال نشر ثقافة القيادة، وتحفيز الطلبة على الالتحاق بهذه البرامج، وتوفير البيئة التي تساعدهم على توظيف معارفهم ومهاراتهم. فالجامعة ليست مكاناً لتلقي المعرفة فقط، بل مؤسسة لإعداد الكفاءات وصناعة القيادات، وفضاءً يمكن من خلاله تحويل طاقات الشباب إلى مشاريع وأفكار ذات أثر.وفي هذا الإطار، يمكن تأسيس نوادٍ قيادية جامعية تُعنى بالحوار والتدريب وتنفيذ المبادرات المجتمعية، بما يحول المهارات إلى ممارسات مستدامة، ويعزز حضور الشباب، ويمنحهم مساحة لترجمة أفكارهم إلى أثر ملموس. كما يمكن لهذه النوادي أن تسهم في نقل الخبرات بين الطلبة وتشجيع العمل الجماعي وربط المبادرات بقضايا المجتمع المحلي.ختاماً، فإن البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب والشابات القيادية ليس مجرد مشروع تدريبي عابر، بل استثمار استراتيجي في مستقبل الأردن. فالأمم تبنى بعقول أبنائها وكفاءاتهم، وكل مبادرة تكتشف طاقات الشباب وتمنحهم مساحة للإبداع هي خطوة نحو وطن أكثر قوة وقدرة على مواجهة المستقبل. إن دعم هذه المبادرة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع والقطاعين العام والخاص، لأن الرهان الحقيقي على المستقبل يبدأ من الشباب، وتمكينهم هو الطريق إلى بناء جيل قادر على تحمل المسؤولية وصناعة الأثر.حين يصبح الشباب شركاء في صناعة المستقبل
الدكتور عبد الكريم السويلمين
عضو هيئة تدريسية في جامعة الزرقاء الخاصة
حين يصبح الشباب شركاء في صناعة المستقبل
الدكتور عبد الكريم السويلمين
عضو هيئة تدريسية في جامعة الزرقاء الخاصة
عضو هيئة تدريسية في جامعة الزرقاء الخاصة
مدار الساعة ـ
البرنامج الوطني للمهارات القيادية نموذجاً للاستثمار في الإنسان الأردني