أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أهمية ودور الحوكمة كشرط لانجاح للتحديث الإداري 


المعتز بالله الرداد

أهمية ودور الحوكمة كشرط لانجاح للتحديث الإداري 

مدار الساعة ـ

لم تعد قضية التحديث الإداري في الأردن ترفاً مؤسسياً أو خياراً يمكن تأجيله، بل أصبحت شرطاً أساسياً لنجاح مشروع الدولة،فالتحديث الاقتصادي الذي يستهدف زيادة النمو والاستثمار وفرص العمل، والتحديث السياسي الذي يسعى إلى تطوير الحياة العامة، يحتاجان إلى جهاز إداري قادر على تحويل السياسات إلى نتائج، وإدارة الموارد بكفاءة، وتقديم خدمات نوعية للمواطنين والمستثمرين، ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يحتاج الأردن إلى تحديث إدارته؟ وإنما: كيف نضمن أن يتحول التحديث الإداري من مجموعة مشاريع وإجراءات إلى تحول مؤسسي مستدام؟ والإجابة بكل بساطة تبدأ من الحوكمة.

لقد وضع الأردن التحديث الإداري ضمن مسارات التحديث الوطني الثلاثة، إلى جانب التحديث السياسي والاقتصادي، وأطلقت المملكة عام 2022 خارطة طريق لتحديث القطاع العام تمتد حتى عام 2033، بهدف الوصول إلى قطاع عام مُمكّن وفعال يعمل كوحدة واحدة لتنمية الأردن وتحقيق رفاه المواطنين، ومع الانتقال إلى البرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026–2029، أصبح التحدي أكثر ارتباطاً بتحقيق الأثر، وليس بمجرد تنفيذ المبادرات، وهنا تحديداً تظهر الحوكمة باعتبارها البنية التحتية غير المرئية للتحديث، فالرقمنة، وإعادة الهيكلة، وتطوير الخدمات، والذكاء الاصطناعي، وتبسيط الإجراءات، كلها أدوات مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح مؤسسة تفتقر إلى وضوح الصلاحيات، أو تعاني من تداخل المسؤوليات، أو لا تملك نظاماً فعالاً للمساءلة وقياس النتائج.

فليس التحديث أن ننقل معاملة ورقية إلى منصة إلكترونية، إذا بقيت الموافقات نفسها، والمراحل نفسها، والعقلية الإدارية نفسها، وليس الإصلاح أن نعيد توزيع الوحدات التنظيمية على الورق، إذا ظلت الصلاحيات متداخلة، والقرار مركزياً، والمسؤولية موزعة بحيث يصعب تحديد من يملك القرار ومن يتحمل نتائجه، لهذا فإن جوهر الحوكمة يتمثل في إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمساءلة والنتيجة،ضمن مصفوفة قواعد: من يملك الصلاحية يجب أن يتحمل المسؤولية، ومن يتحمل المسؤولية يجب أن يخضع للمساءلة، والمساءلة بدورها يجب أن ترتبط بنتائج قابلة للقياس، لا بمجرد الالتزام الشكلي بالإجراءات.

وهذا التوجه يتقاطع بصورة مباشرة مع التطور الذي شهده برنامج تحديث القطاع العام الأردني. فالبرنامج التنفيذي الثاني لم يعد ينظر إلى الإصلاح باعتباره مجموعة إجراءات منفصلة، بل أعاد صياغة مكوناته ليشمل الحوكمة والبيئة التنظيمية، وكفاءة الإنفاق، والبيانات والتقنيات الناشئة، والموارد البشرية والقيادات، والثقافة المؤسسية، إلى جانب تطوير الخدمات والسياسات والتشريعات،والأهم أن تبنى بصورة أوضح منطق النتائج والأثر.

ومن هنا، تصبح الحوكمة جزءاً من السياسة الاقتصادية نفسها، فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز والإعفاءات، وإنما يهتم أيضاً بوضوح التشريعات، واستقرار القرارات، وسرعة الإجراءات، وشفافية المؤسسات، وإمكانية التنبؤ بالقرار الإداري، وكلما كانت الإدارة أكثر كفاءة ووضوحاً ومساءلة، أصبحت بيئة الاستثمار أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.

ولا شك أن الحوكمة أصبحت أكثر أهمية مع دخول الإدارة الأردنية مرحلة التوسع في استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة،فكلما زادت قدرة الحكومة على جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرارات بناء عليها، زادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحكم استخدام هذه البيانات، وتحدد المسؤوليات، وتضمن سلامة القرار، وتحافظ على الثقة العامة، واصبح مؤكدا اليوم ان المعركة الحقيقية في التحديث الإداري ليست مع الورق، وإنما مع العقلية التي أنتجت البيروقراطي، وليست في غياب الأنظمة دائماً، بل في الفجوة بين النظام والتطبيق، وبين المسؤولية والصلاحية، وبين القرار والمساءلة، وبين ما تقوله الخطط وما يحدث فعلياً داخل المؤسسات.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة من التحديث في الأردن تحتاج إلى الانتقال من سؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تغير؟ ومن قياس النشاط إلى قياس الأثر، ومن متابعة المبادرات إلى مساءلة المسؤولين عن النتائج، ومن تحديث الإجراءات إلى تحديث طريقة تفكير المؤسسة، فالغاية النهائية من الحوكمة ليست زيادة الرقابة، ولا إنتاج المزيد من التقارير واللجان، وإنما بناء إدارة عامة أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر وضوحاً في المسؤولية، وأكثر كفاءة في استخدام المال العام، وأكثر شفافية أمام المواطن.

وفي الخلاصة، فإن الأردن لا يحتاج فقط إلى إدارة رقمية أو إدارة أكثر سرعة، بل إلى إدارة أكثر مؤسسية، إدارة لا تتوقف على الأشخاص، ولا تتغير نتائجها بتغير المسؤولين، وإنما تعمل وفق قواعد واضحة، وأهداف محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومساءلة حقيقية، ولهذا يمكن اختصار معادلة التحديث الأردني في قاعدة واحدة: التحديث الإداري هو الذي يحول رؤية التحديث الاقتصادي من طموح إلى قدرة تنفيذية، والحوكمة هي التي تضمن ألا تتحول هذه القدرة إلى سلطة بلا مساءلة، فالتقنية قد تجعل الإدارة أسرع، وإعادة الهيكلة قد تجعلها أكثر تنظيماً، والموارد قد تجعلها أكثر قدرة،لكن الحوكمة هي التي تجعلها أكثر ثقة وكفاءة واستدامة، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مشروع تحديث الدولة الأردنية في مرحلته المقبلة.

مدار الساعة ـ