أحيانًا تكشف الأرقام الصغيرة أخطاءً كبيرة، ولا تحتاج المسألة إلى دراسات اقتصادية معقدة، ولا إلى لجان متخصصة، ولا إلى نماذج حسابية متقدمة؛ يكفي أن نضع راتبين متجاورين أمامنا:
599 دينارًا... و600 دينار.هنا تبدأ المفارقة.موظف راتبه الإجمالي 599 دينارًا يستحق الزيادة المقررة ومقدارها 30 دينارًا، فيصبح راتبه بعد الزيادة: 629 دينارًا.أما الموظف الذي يزيد راتبه الإجمالي عن زميله بدينار واحد فقط، أي راتبه 600 دينار، فلا يستحق الزيادة، ويبقى راتبه:600 دينار.أي أن الموظف الذي كان يتقاضى أقل من زميله بدينار واحد، يصبح بعد تطبيق الزيادة أعلى منه بـ 29 دينارًا!فهل نحن أمام مجرد تفصيل حسابي؟أم أمام مفارقة تستحق أن تتوقف أمامها الحكومة طويلًا؟دينار واحد قبل القرار.. 29 دينارًا بعده!لنكرر المشهد حتى تتضح الصورة.موظف أول:راتبه الإجمالي 599 دينارًا + 30 = 629 دينارًا.موظف ثانٍ:راتبه الإجمالي 600 دينار + صفر = 600 دينار.قبل الزيادة، كان الفارق بينهما دينارًا واحدًا فقط لصالح الموظف صاحب الراتب الإجمالي 600 دينار.بعد الزيادة، أصبح الفارق 29 دينارًا لصالح الموظف صاحب الراتب الإجمالي 599 دينار.أي أن زيادة الـ30 دينارًا لم ترفع دخل الموظف الأقل راتبًا فحسب، وإنما جعلته يتجاوز زميله الذي كان راتبه أعلى منه أصلًا.وهنا تكمن المفارقة التي لا يجوز المرور عليها باعتبارها مجرد نتيجة حسابية.فالسياسات العامة لا تُقاس فقط بصحة عملية الجمع والطرح، وإنما تُقاس كذلك بالنتائج التي تنتج عنها على أرض الواقع.عندما يصبح الأعلى راتبًا هو الأقل دخلًا!المشهد الأكثر غرابة أن القرار، وفق هذه الآلية، يمكن أن يقلب ترتيب الرواتب:- موظف راتبه الإجمالي 598 دينارًا يصبح راتبه 628 دينارًا.- موظف راتبه الإجمالي 599 دينارًا يصبح راتبه 629 دينارًا.- موظف راتبه الإجمالي 600 دينار يبقى راتبه 600 دينار.وهكذا يصبح صاحب الراتب الاجمالي الـ599 دينارًا أعلى دخلًا من صاحب الراتب الاجمالي الـ600 دينار بفارق 29 دينارًا.وهذا يعني أن الوصول إلى سقف الـ600 دينار لا يمثل مجرد انتقال من فئة إلى فئة، وإنما قد يؤدي إلى قفزة عكسية في ترتيب الدخول.بمعنى آخر:الموظف الذي يكسب دينارًا إضافيًا قد يجد نفسه، وفق هذه المعادلة، في وضع مالي أسوأ من الموظف الذي يكسب أقل منه.وهذه ليست مسألة نظرية.إنها نتيجة مباشرة للأرقام.أين تكمن المشكلة؟المشكلة ليست في أن الحكومة تريد زيادة رواتب أصحاب الدخول المنخفضة.ولا في أن قيمة الزيادة 30 دينارًا.بل إن جوهر المسألة يكمن في الحد الفاصل عند مبلغ 600 دينار.فعندما يكون معيار الاستحقاق قائمًا على رقم جامد، فإن الموظف الذي يقع تحته مباشرة يدخل في دائرة المستفيدين، بينما الموظف الذي يلامسه أو يتجاوزه بدينار واحد يخرج منها بالكامل.وهنا تتحول المسافة بين موظفين متقاربين جدًا في الدخل من:دينار واحد...إلى:29 دينارًا!وهذا ما يجعل الرقم 600 دينارًا ليس مجرد سقف مالي، وإنما خطًا فاصلًا يصنع فارقًا كبيرًا بين حالات متقاربة للغاية.العدالة ليست مجرد أرقام:قد يقول قائل:الحكومة وضعت معيارًا واضحًا، ومن كان راتبه 599 يستحق، ومن كان راتبه 600 لا يستحق، وانتهى الأمر.لكن هل تنتهي المسألة عند هذا الحد؟القانون والإدارة العامة لا يعملان في فراغ حسابي.فكل قرار عام له آثار اجتماعية واقتصادية ووظيفية، وقد يكون النص واضحًا من الناحية الحسابية، لكنه يثير تساؤلات جدية عندما تكون نتيجته العملية غير متناسبة مع الفوارق التي يقوم عليها المعيار نفسه.فما الذي يبرر أن يكون الفرق بين موظفين في الراتب قبل الزيادة (دينارًا واحدًا)، ثم يصبح الفرق بينهما بعد الزيادة 29 دينارًا؟هل يستطيع المنطق الإداري وحده أن يفسر هذه النتيجة؟وهل يكفي القول إن الأول تحت سقف الـ600 والثاني عند السقف، بينما النتيجة النهائية تقلب ترتيب الرواتب بينهما؟هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها.المفارقة لا تتوقف عند الـ600المسألة لا تتعلق بحالة واحدة.لأن المنطق نفسه يمكن أن يتكرر مع كل موظف يقترب من السقف.فالموظف الذي يتقاضى:550 دينارًا يحصل على 30 دينارًا.580 دينارًا يحصل على 30 دينارًا.590 دينارًا يحصل على 30 دينارًا.599 دينارًا يحصل على 30 دينارًا.لكن عند الوصول إلى:600 دينار... تنتهي الزيادة بالكامل.هنا تظهر طبيعة المشكلة بوضوح.فالانتقال من 599 إلى 600 ليس انتقالًا بمقدار دينار واحد في النتيجة.إنه انتقال من:+30 دينارًاإلى:صفر.وهذا هو جوهر المفارقة.ماذا عن مبدأ المساواة؟الدستور الأردني قرر في المادة السادسة مبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص.وبطبيعة الحال، فإن اختلاف المعاملة بين فئات مختلفة لا يعني بالضرورة وجود إخلال دستوري؛ فالتشريعات والقرارات تستطيع أن تضع شروطًا ومعايير للاستفادة من الحقوق والمزايا العامة.لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط:هل يوجد معيار؟بل:هل النتيجة التي ينتجها هذا المعيار منطقية ومتناسبة مع الغاية التي وضع من أجلها؟فالتمييز بين من راتبه 599 ومن راتبه 600 قائم على دينار واحد فقط، لكن الأثر المالي المترتب على هذا الدينار يصل إلى 29 دينارًا بعد الزيادة.وهنا يصبح النقاش أعمق من مجرد تحديد من يستحق ومن لا يستحق.إنه نقاش حول العدالة في تصميم السياسة العامة نفسها.الموظف لا ينظر إلى القرار من خلف مكتب:قد تبدو المسألة بسيطة جدًا لمن يقرأ جدولًا ماليًا.لكن بالنسبة للموظف، فإن الـ30 دينارًا ليست رقمًا على ورقة.إنها أجرة مواصلات.أو فاتورة كهرباء.أو جزء من قسط.أو احتياجات طفل.أو مصروف منزل.ولهذا فإن أي قرار يتعلق بالرواتب لا ينبغي أن ينظر إلى الموظف باعتباره مجرد رقم في كشف الرواتب.خلف كل رقم أسرة والتزامات وحياة كاملة.وعندما يكون هناك موظفان متقاربان في الدخل إلى هذا الحد، فإن السؤال عن عدالة الفارق بينهما يصبح سؤالًا مشروعًا، وليس اعتراضًا على الزيادة.لا أحد يعترض على الـ30 دينارًا:وهنا يجب أن نكون واضحين.المسألة ليست اعتراضًا على منح الموظف الذي راتبه 599 دينارًا زيادة قدرها 30 دينارًا.ولا هي دعوة إلى حرمانه منها.المسألة ببساطة هي أن طريقة رسم خط الاستحقاق تنتج مفارقة يصعب تجاهلها.فالقرار الذي يفترض أنه يستهدف ذوي الدخول المنخفضة يجب أن يكون مفهومًا في نتائجه كما هو مفهوم في نصه.أما أن يؤدي دينار واحد إلى خسارة 30 دينارًا من الزيادة، وأن يتحول الموظف الأقل راتبًا إلى موظف أعلى دخلًا من زميله، فهذه نتيجة تستحق النقاش.السؤال الذي سيبقى مطروحًا:في النهاية، يمكن اختصار القضية كلها بسؤال واحد:كيف يمكن أن يكون راتب 599 دينارًا مؤهلًا ليصبح 629 دينارًا، بينما راتب 600 دينار غير مؤهل ويبقى 600 دينار؟كيف يصبح:الأقل راتبًا... أعلى دخلًا؟وكيف يتحول:دينار واحد فقطمن فارق بسيط بين موظفين إلى:29 دينارًافارقًا بينهما بعد تطبيق الزيادة؟ربما تكون الإجابة موجودة في النص.لكن وجود الإجابة في النص لا يعني بالضرورة أن النتيجة عادلة في الواقع.وهنا تحديدًا يجب أن يبدأ النقاش.لأن العدالة الاجتماعية لا تقاس فقط بمن حصل على الزيادة...بل أيضًا بمن حُرم منها، ولماذا حُرم منها، وماذا كانت النتيجة التي ترتبت على ذلك.وفي قصة الـ30 دينارًا، يبدو أن الرقم الأصغر هو الذي كشف السؤال الأكبر:ماذا يفعل دينار واحد عندما يقف على عتبة الـ600؟الجواب، وفق هذه المعادلة، واضح:إنه يستطيع أن يحوّل صاحب الـ599 إلى صاحب الـ629، ويترك صاحب الـ600 عند الـ600!وهنا... لا تعود المسألة مجرد زيادة رواتب.بل تصبح مسألة عدالة.الـ599 دينارًا تهزم الـ600! ثلاثون دينارًا تكشف مفارقة القرار.. ودينار واحد يقلب المعادلة
مؤيد المجالي
الـ599 دينارًا تهزم الـ600! ثلاثون دينارًا تكشف مفارقة القرار.. ودينار واحد يقلب المعادلة
مدار الساعة ـ