عادت إيران واعتدت على الأردن مرة أخرى. هذه المرة دخل المجال الجوي للمملكة 13 صاروخًا باليستيًا مصدرها الأراضي الإيرانية، تعاملت معها القوات المسلحة الأردنية، في تكرار لم يعد من الممكن قراءته باعتباره حادثًا منفصلًا أو أثرًا عرضيًا لمواجهة تدور خارج الحدود الأردنية.
المشكلة في الصواريخ الإيرانية التي دخلت الأردن ليست في عددها، ولا حتى في قدرتها التدميرية. المسألة الأخطر هي أن قراءة اتجاه الصاروخ تكشف أحيانًا ما لا تقوله البيانات السياسية. فعندما يكون الخصم المعلن لإيران هو الولايات المتحدة، ثم تختار طهران هدفًا أميركيًا داخل الأراضي الأردنية، رغم وجود قوات وقطع عسكرية أميركية في المجال البحري المحيط بإيران وعلى مسافات أقرب إليها، يصبح اختيار الجغرافيا جزءًا من العملية وليس مجرد تفصيل فيها.وفي إعلانها عن تفاصيل الاعتداء الأخير، قالت القوات المسلحة الأردنية إن المملكة تعرضت إلى "اعتداء صاروخي مصدره الأراضي الإيرانية". ولهذا تحديدًا ينبغي التوقف عند العبارة التي استخدمتها القوات المسلحة الأردنية: "اعتداء صاروخي مصدره الأراضي الإيرانية".هذه ليست صياغة مُلفتة. هناك فارق كبير بين أن تقول دولة إن صواريخ "اخترقت مجالها الجوي" وبين أن تصف الواقعة بأنها "اعتداء صاروخي". الاختراق توصيف للمسار أما الاعتداء فهو توصيف للفعل. الأول يُحدد ما فعله الصاروخ، والثاني يحدد ما فعلته الدولة التي أطلقته.وبذلك تكون اللغة الأردنية قد نقلت المسألة من مجرد حماية المجال الجوي إلى تثبيت المسؤولية عن فعل عسكري مصدره الأراضي الإيرانية. والأهم أن البيان لم يحتج إلى لغة انفعالية أو تهديدات مقابلة. في إدارة الأزمات، كلما كانت العبارة أقصر وأكثر تحديدًا كانت في أحيان كثيرة أكثر دلالة. الدولة الأردنية هنا قامت بتثبيت توصيفها للواقعة وليس للمسار.لكن السؤال الذي يقع خلف البيان أكبر: لماذا يبدو الأردن حاضرًا بصورة متكررة في الحساب الإيراني؟لفهم ذلك، ينبغي الابتعاد قليلًا عن الصواريخ والنظر إلى طبيعة النفوذ الإيراني في الإقليم. إيران لا تقيس قوتها فقط بما تملكه داخل حدودها وإنما بقدرتها على العمل داخل المساحات الواقعة خارجها. البيئة الأكثر ملاءمة لهذا النموذج الإيراني هي البيئة التي تتعدد فيها مراكز القوة وتضعف فيها الحدود بين قرار الدولة وقرار الجماعات المسلحة ويمكن فيها تحويل الانقسام السياسي والاجتماعي إلى أوراق نفوذ. الأردن يمثل الحالة المعاكسة تماماً.الدولة الأردنية رغم وقوعها وسط أحزمة متتالية من الأزمات والحروب بقيت صاحبة القرار داخل حدودها. لا توجد قوة مسلحة موازية للدولة ولا مساحة يمكن تحويلها إلى منطقة نفوذ مستقلة ولا فراغ سياسي يمكن الدخول إليه تحت عنوان حماية مكوّن داخلي أو تمثيله. ولذلك فإن المشكلة الإيرانية مع الأردن ليست بالضرورة خلافًا سياسيًا تقليديًا بل إنها مشكلة مع دولة يصعب تفكيك قرارها إلى أجزاء. وهنا تبدأ عقدة الاستقرار الأردني.فالأردن ليس خصمًا أيديولوجيًا لإيران ولم يبنِ سياسته الخارجية على مشروع مواجهة معها ولا مع أي انتماء أيديولوجي في الإقليم، بل حافظ طويلًا على لغة سياسية محسوبة تجاه طهران. ومع ذلك فإن استقرار الأردن نفسه يتعارض موضوعيًا مع الطريقة التي تتحرك بها إيران في الإقليم. طهران تستطيع التعامل بكفاءة أكبر مع الدول عندما تصبح داخلها عدة عناوين للقرار وعندما تكون الأرض خصبة للانقسامات. أما في الحالة الأردنية فهي أمام مؤسسة دولة متماسكة تعرف مع من تتحدث ومن يقرر ومن يملك القوة ومن يحدد الخط الأحمر. وهذا يفسر جانبًا من الضغط، لكنه لا يفسر وحده اختيار الهدف.إذا كانت الولايات المتحدة هي العدو المعلن بالنسبة لإيران، فإن المنطق العسكري البسيط يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: لماذا لا يجري تركيز الضربة على القوات البحرية الأميركية الموجودة حول إيران وهي أقرب جغرافيًا وأكثر اتصالًا بالمواجهة المباشرة؟ الجواب المحتمل يكمن في مفهوم "الهدف السياسي" وليس "الهدف الأقرب".ضرب قطعة عسكرية أميركية في البحر بصورة مباشرة وناجحة قد يعني قتل عدد كبير من العسكريين الأميركيين في وحدة قتالية تحمل العلم الأميركي، بما يجعل احتواء التداعيات أكثر صعوبة وأكثر خطورة. هنا لا تعود طهران أمام مجرد عملية يمكن ضبط رسالتها السياسية بل أمام احتمال انتقال سريع من تبادل الضربات المحسوبة إلى مواجهة تصبح فيها واشنطن تحت ضغط الرد على خسارة عسكرية مباشرة وواضحة. إيران تدرك هذا الفارق.لذلك لا ينبغي قراءة اختيار الأهداف الإيرانية باعتباره بحثًا دائمًا عن أكبر خسارة يمكن إيقاعها بالخصم. في حالات كثيرة، يبدو السلوك الإيراني أقرب إلى البحث عن أعلى قيمة سياسية يمكن تحقيقها بأقل احتمال ممكن لفقدان السيطرة على التصعيد. وهذا فارق جوهري.فالضربة بالنسبة لطهران ليست مجرد صاروخ يصل إلى إحداثية بل إنها رسالة يجب أن تصل إلى أكثر من عنوان في الوقت نفسه. استهداف وجود أميركي داخل الأردن يسمح بإعلان أن إيران ضربت هدفًا مرتبطًا بالولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يُدخل الأردن قسرًا داخل مشهد المواجهة. وهنا يصبح للصاروخ مخاطبان: الأميركي الذي تقول له طهران إنها قادرة على الوصول إلى قواته، والأردني الذي تريد منه أن يشعر بأن وجود تلك القوات المشتركة على أرضه لم يعد مسألة منفصلة عن كلفة الصراع.وبهذا المعنى، فإن الأردن ليس بالضرورة الهدف النهائي للعملية، لكنه بالتأكيد ليس مجرد مساحة فارغة بين نقطة الإطلاق والهدف. وهذه نقطة بالغة الأهمية في قراءة ما حدث.طهران تحاول نقل جزء من ضغط المواجهة مع واشنطن إلى الدول التي ترتبط بها استراتيجيًا. الفكرة ليست هزيمة هذه الدول عسكريًا فهذا ليس هدفًا واقعيًا أصلًا. الفكرة هي إدخال سؤال الكلفة إلى داخل حساباتها: هل تبقى علاقتكم بواشنطن منفصلة عن مواجهتنا معها أم نستطيع جعل تلك العلاقة نفسها مصدر ضغط عليكم؟في الأردن تصطدم هذه المعادلة بعامل أكثر تعقيدًا: الدولة الأردنية بنت جانبًا كبيرًا من قوتها على عدم السماح للآخرين بتحديد موقعها نيابة عنها وعدم السماح لأي جهة بالتدخل في قراراتها الداخلية.ولهذا فإن ضبط النفس الأردني لا ينبغي تفسيره بوصفه ترددًا. هناك فارق بين دولة تبحث عن مواجهة ودولة تحتفظ بحق تحديد لحظة التصرف وشكله. السلوك الأردني تاريخيًا يميل إلى تقليل الصخب ورفع مستوى السيطرة ولا يستهلك خياراته في التصريحات ولا يسمح للخصم بسهولة بمعرفة النقطة التي يتحول عندها الصبر إلى قرار.وهنا ربما تكمن أخطر مساحة لسوء الحساب الإيراني. طهران معتادة على قراءة المنطقة من خلال ميزان الضغط: من يستطيع تحمّل المزيد ومن يتراجع أولًا ومن يمكن دفعه إلى تعديل سلوكه من دون حرب شاملة. لكن الأردن يعمل بمنطق مختلف. استقراره ليس حالة سكون بل منظومة متراكمة من القرار السياسي والانضباط العسكري والقدرة على امتصاص الصدمات من دون تغيير الاتجاه تحت الضغط.لذلك فإن السؤال بعد الصواريخ الثلاثة عشر ليس: هل تستطيع إيران الوصول إلى الأردن؟ لقد أجابت الصواريخ عن هذا السؤال. السؤال الحقيقي هو: ماذا تعتقد طهران أنها تستطيع أن تغيّر في القرار الأردني بالصواريخ؟إذا كان المطلوب هو الضغط على عمّان لتغيير موقعها فالمشكلة الإيرانية أعمق من الحساب العسكري. لأنها لا تواجه في الأردن قطعة عسكرية يمكن تحريكها بل بنية دولة قوية بُنيت كي تبقى واقفة بينما تتغير الخرائط من حولها. ولهذا كانت العبارة الأردنية الأهم شديدة الاختصار: "اعتداء صاروخي". كلمتان لا تشرحان فقط ما حدث في السماء بل قد تعنيان أن عمّان بدأت تنظر إلى مصدر الصاروخ وليس إلى مساره فقط.عُقدة إيران مع الأردن: ما وراء الصواريخ الثلاثة عشر
مدار الساعة ـ