أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن بمواجهة مراكمة 'إسرائيل' لشروط الضم والتهجير


راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق

الأردن بمواجهة مراكمة 'إسرائيل' لشروط الضم والتهجير

راكان السعايدة
راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
مدار الساعة ـ

إذا كان الأردن ينظر بإحدى عينيه إلى ما يجري في الإقليم، ويفحص أحداثه وتطوراته، فعينه الأخرى، لا بد، أن تبقى مسلطة على ما تفعله "إسرائيل" في الضفة الغربية، وعلى ما يحدث في "إسرائيل" نفسها.

وأهم ما يحدث في "إسرائيل" الآن هو انتخابات الكنيست، التي ينظر إليها الأردن ويتابعها باهتمام وتركيز شديدين، لما لنتائجها من أهمية في تقدير ما تسير إليه الأوضاع في الضفة الغربية.

استطلاعات الرأي هناك تشير إلى احتمال قوي أن تتراجع فرص بنيامين نتانياهو وائتلافه في الانتخابات المقبلة، ولهذا، إن حدث، معنى سياسي مهم للأردن ومصر والضفة الغربية أيضاً.

ليس لأن بديل نتانياهو أفضل، وإنما لأن هزيمته، كعنوان لليمين الأكثر تطرفاً، ربما تكون سبباً محتملاً في إبطاء مسار ضم وتهجير سكان الضفة الغربية، وهذا من شأنه أن يعطي وقتاً إضافياً لعمل سياسي ونشاط دبلوماسي لمحاولة عكس المسار.

هل هذا يعني التعلق بنتيجة الانتخابات الإسرائيلية؟

بالتأكيد لا. لا الأردن ولا مصر ولا الفلسطينيون ولا أحد يعلق أملاً على أن الانتخابات الإسرائيلية ستُحدِث تحولاً عميقاً وجوهرياً في سياسات الكيان.

لكن أن يفشل اليمين المتطرف في تشكيل ائتلاف أغلبية لصالح قوى أخرى أقل تطرفاً، قد يمنح المجتمع الدولي الرافض للضم والتهجير فرصة للضغط على "إسرائيل" كي توقف مشروعها.

من هنا تأتي الأهمية التي يوليها الأردن للانتخابات الإسرائيلية، لأنها ستجيب عن سؤال: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر نتائجها في مسار الضم والتهجير؟

إلى أن يتضح ذلك، ستبقى المسألة الانتخابية تدور في إطار التوقعات والاحتمالات، فلا شيء يقيني بعد.

لهذا، فإن الأولوية الأهم هي التدقيق في الظروف والعوامل التي تبني مساراً لضم الضفة الغربية، وما يوصف، زوراً، بالتهجير الطوعي.

أين تتركز هذه الظروف؟

إن قرار "إسرائيل" بإنفاذ مشروع الضم والتهجير يتطلب توافر جملة من الظروف والعوامل، بعضها متحقق، وبعضها لم يتحقق بعد.

أولاً: تتوافر "إسرائيل" على قاعدة شعبية يتوسع تأييدها لخيار الضم أو، في أقله، توسيع السيطرة على الضفة، ويزداد الوضع تعقيداً مع التزايد المطرد في قوة اليمين واليمين المتطرف، وبما يعمق، عملياً، البيئة السياسية المحفزة لإنفاذ مشروع الضم وخلق أسباب التهجير.

ثانياً: وجود حكومة يمينية دينية وصهيونية تتحدث، ليلاً ونهاراً، عن الضم وعن "التهجير الطوعي" الذي حقيقته تهجير قسري، وقد أحدثت في السنوات الأخيرة تغييرات قانونية دعمت الاستيطان ومصادرة الأراضي، واتخذت إجراءات على الأرض جعلت الضم ممكناً بعدما راكمت شروط تحقيقه.

ثالثاً: قيادات الجيش والأجهزة الأمنية أكثر انسجاماً، في العموم، مع توجهات اليمين، وأكثر ارتباطاً بسياسات الحكومة، التي عينت تلك القيادات، ضمن سياق إعادة صياغة تدريجية لمؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية لتكون أكثر انسجاماً مع توجهات اليمين، وعلى نحو يوفر قدرة تنفيذ أكبر لسياسات الضم والتهجير.

رابعاً: الاستيطان المتسارع بكل أنواعه، واعتداءات المستوطنين، وعوائق الطرق، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، والتضييق الاقتصادي والمالي، والاقتحامات للقرى والمدن والمقدسات؛ هذه كلها شهدت توسعاً وتزايداً كبيراً، وحولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

خامساً: الظرف الإقليمي يساعدها، جزئياً، على إنفاذ مشروعها، واستكماله سيكون بمزيد من تأجيج صراعات الإقليم، والدفع نحو إشعال الضفة لتبرير الخطوات التنفيذية.

تشير كل هذه المعطيات إلى أن "إسرائيل" قطعت، عملياً، شوطاً طويلاً في تحضير جزء مهم من الأسباب والقدرة على تنفيذ مشروعها.

وما زالت تتراكم وتتعمق، يومياً، معطيات أخرى، بما يمهد، أولاً، الطريق لضم الضفة الغربية، وبما يمنع، ثانياً، أي حكومة قادمة من التراجع عنها.

مع ذلك، وعلى الرغم مما جعلته "إسرائيل" واقعاً على الأرض، إلا أن شروط نجاح مسعاها لم تكتمل كلها بعد، إذ تقف في طريقها جملة من المعيقات، وإن قررت تجاوزها، سيكون لذلك كلفة كبيرة، ومن أبرزها:

أولاً: رفض أردني قاطع لفكرة التهجير، ومن قبلها مشروع الضم، وهذه إحدى أهم الصعوبات في طريق التهجير من الضفة، يوازيه بالأهمية رفض مصر لتهجير أبناء قطاع غزة.

ثانياً: تمسك الفلسطينيين بأرضهم، ورفضهم تركها رغم ما يقاسونه من ويلات، وعملياً، هذا الموقف يعد الأهم والمركزي في وجه "إسرائيل" ومشروعها المؤسس على رفض صريح لإقامة الدولة الفلسطينية.

ثالثاً: رفض دولي واسع النطاق للضم والتهجير، فإذا تجاوزنا عن موقف الدول العربية والإسلامية، فموقف أوروبا شديد الاعتراض على السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

رابعاً: أميركا لم تعطِ بعد الضوء الأخضر لعملية الضم والتهجير، ولا يبدو، في الظروف الحالية، أنها راغبة في تحمل كلفة مثل هذا القرار، بالنظر إلى ظروف ومتغيرات الإقليم واشتباكها المفتوح مع إيران، وحاجتها إلى دعم دول عربية.

"إسرائيل" تدرك محددات الموقف الأميركي، مثلما تدرك أنه من دون موافقتها ودعمها، يصعب عليها تنفيذ الضم والتهجير بشكل حاسم ونهائي.

هل هذه العوائق والموانع كافية لإيقاف مخطط الضم والتهجير؟

لدولة طبيعية تلتزم الشرعية الدولية، بالتأكيد كافية، لكن لكيان استيطاني إحلالي دموي هي ليست كذلك، ويمكنه تجاوزها وتحمل كلفتها في سبيل تحقيق مشروعها التوسعي.

أي أنه، في ظل أزمات الإقليم المتصاعدة والمرشحة للتدهور، وما تواجهه "إسرائيل" من غضب دولي وعزلة، قد ترى أن لا شيء بقي لتخسره، فتقرر إشعال الضفة الغربية والمقدسات في القدس لتبرير حسم مسألتي الضم والتهجير، طوعاً أو قسراً.

إن سيناريو مغامراً كهذا لا يجب أن يُستبعد، وخاصة إذا ما فاز نتانياهو في الانتخابات، واستطاع أن يحصل على أغلبية من اليمين لتشكيل الحكومة.

مع الأخذ بالاعتبار، أيضاً، أنه إذا فشلت أي من القوى المتنافسة في بناء ائتلاف أغلبية، سيبقى نتانياهو رئيساً للحكومة لحين إجراء انتخابات جديدة.

ولا يُستبعد، في مثل هذه الحالة، أن يلجأ نتانياهو وحلفاؤه إلى تصعيد إضافي في أي من الجبهات المفتوحة، قد يرون فيه مدخلاً لتحسين فرصهم الانتخابية، وليس هناك ساحة مناسبة لذلك أكثر من الضفة الغربية.

الصورة أمام الأردن غاية في التعقيد والخطورة، فـ"إسرائيل"، أمام مصالحها، لن تكون معنية بأمنه القومي، وهي أصلاً لم تغادرها فكرة جعله خياراً لتصفية القضية الفلسطينية على حسابه.

لذلك، فإن للأردن مصلحة حيوية في كسر مسار اليمين الإسرائيلي من بوابة الانتخابات، وفي أن يواصل الفلسطينيون ثباتهم وتمسكهم بأرضهم، لمواجهة مسار تصفية قضيتهم.

أما الأردن، فلا خيار أمامه سوى أن يبقى حاضراً، يقظاً، وجاهزاً لكل الاحتمالات، وقادراً على الرد على كل ما يحاك ضده، وأن يحشد كل قدراته الكامنة داخلياً، وعلى رأسها تمتين الجبهة الداخلية، وخارجياً، بحشد المزيد لتصليب الموقف العربي وزيادة منسوب الرفض الدولي دبلوماسياً وإجرائياً.

مدار الساعة ـ