أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إضاءات في مسيرة جلالة الملكة رانيا: قيادة تُلهم وأثرٌ يبقى


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

إضاءات في مسيرة جلالة الملكة رانيا: قيادة تُلهم وأثرٌ يبقى

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

في كل مرة نتحدث فيها عن القيادة النسائية في عالمنا العربي، لا بد أن نستحضر نماذج استطاعت أن تتجاوز الصورة التقليدية للقيادة، لتجعل من حضور المرأة قوةً للتغيير، ومن صوتها مساحةً للأمل، ومن رؤيتها مشروعاً لبناء الإنسان. وفي الأردن، تبرز جلالة الملكة رانيا العبدالله بوصفها نموذجاً مشرفاً للمرأة العربية القيادية التي اختارت أن يكون تأثيرها ممتداً إلى التعليم والتمكين والأسرة والطفولة والشباب، وأن تجعل من الاستثمار في الإنسان محوراً لمسيرتها. وفي عيد ميلاد جلالتها، لا نحتفي بعام جديد من عمرها فحسب، بل نحتفي بمسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء، وبملكة أردنية حملت قضايا مجتمعها إلى مساحات أوسع، ونجحت في أن تجعل من القضايا التي تؤمن بها جزءاً من حوار عالمي حول مستقبل الإنسان. فعلى مدى أكثر من عقدين، ارتبط حضور الملكة رانيا بقضايا التعليم وتمكين المرأة والأسرة والطفولة والتنمية، محلياً ودولياً، في مسيرة تؤكد أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالموقع، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الآخرين.

ولعل أجمل ما يميز تجربة جلالة الملكة رانيا أن مفهومها للقيادة النسائية لم يقم على المنافسة مع الرجل، بل على الإيمان بأن المجتمعات القوية تحتاج إلى طاقات نسائها ورجالها معاً. فالمرأة، في رؤيتها، ليست مجرد مستفيدة من فرص التمكين، بل شريكة في صناعة التنمية، وقادرة على أن تكون قائدةً في بيتها ومجتمعها ومؤسستها ووطنها. ومن هنا جاء اهتمامها المتواصل بتعليم الفتيات وتمكين النساء. فقد أكدت جلالتها في مناسبات عديدة أن تعليم الفتاة لا يغيّر مستقبلها وحدها، بل يمكن أن يغيّر مسار الأسرة والمجتمع والوطن بأكمله، وأن تمكين المرأة هو في جوهره تمكين للمجتمع. لقد أدركت جلالتها مبكراً أن أقصر الطرق إلى بناء قيادة نسائية حقيقية تبدأ من التعليم. فالمرأة التي تحصل على تعليم جيد تمتلك أدوات الاختيار، والقدرة على اتخاذ القرار، والثقة في الذات، والقدرة على المشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لم يكن التعليم في مسيرة الملكة رانيا ملفاً عابراً، بل مشروعاً متكاملاً ارتبط بالعديد من المبادرات التي هدفت إلى تحسين البيئة التعليمية ورفع جودة التعليم وتوسيع فرص التعلم. ومن أبرز الأمثلة مبادرة «مدرستي»، التي استهدفت تحسين البيئة التعليمية في المدارس الحكومية، إلى جانب مبادرات وجوائز أخرى دعمت المعلمين والمدارس والطلبة.

والأهم من ذلك أن هذه الرؤية لم تتوقف عند حدود التعليم، بل امتدت إلى تمكين الشباب وإعدادهم ليكونوا قادة المستقبل. فقد أكدت جلالتها مراراً أن الشباب يمتلكون القدرة على إحداث التغيير الإيجابي، ودعمت برامج هدفت إلى تطوير مهاراتهم وتأهيلهم للمشاركة في سوق العمل وفي خدمة مجتمعاتهم. وهنا تكمن إحدى أهم رسائل القيادة النسائية التي تجسدها جلالة الملكة: أن القيادة ليست امتلاك السلطة، بل امتلاك القدرة على تمكين الآخرين. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بأن ينجح بنفسه، بل يفتح الأبواب أمام الآخرين كي ينجحوا أيضاً؛ ولا يكتفي بأن يُسمع صوته، بل يمنح الآخرين مساحةً ليُسمعوا أصواتهم. وفي هذا السياق، تمثل جلالة الملكة رانيا صورة للمرأة العربية التي استطاعت أن تجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية والقدرة على مخاطبة العالم بلغة إنسانية معاصرة. وقد منحها حضورها في القضايا التعليمية والإنسانية والتنموية مساحة دولية واسعة، جعلت من التجربة الأردنية وقضايا المرأة والطفل والتعليم جزءاً من حوارات عالمية أوسع.

إن الاحتفاء بعيد ميلاد جلالة الملكة رانيا هو، في جانب منه، احتفاء بصورة المرأة الأردنية التي نريدها: امرأة متعلمة، واثقة، طموحة، قادرة على المبادرة، مؤمنة بدورها، ومتصالحة مع هويتها، لا تنتظر أن تُمنح الفرصة، بل تسهم في صناعة الفرص للآخرين. وفي زمن تتغير فيه المجتمعات بسرعة، وتزداد فيه الحاجة إلى قيادات تمتلك الرؤية والإنسانية معاً، تبدو تجربة جلالة الملكة رانيا أكثر أهمية؛ لأنها تضع الإنسان في مركز القيادة، وتربط التمكين بالمسؤولية، والتعليم بالفرصة، والمرأة بالتنمية، والشباب بالمستقبل. وفي عيد ميلادها، نقول لجلالة الملكة رانيا: إن فخرنا بكِ لا يرتبط فقط بما تمثلينه من مكانة، بل بما زرعته مسيرتك من قناعة بأن المرأة حين تؤمن بقدرتها على التغيير، تستطيع أن تغيّر حياة الآخرين، وأن القيادة حين تُبنى على المعرفة والإنسانية والعطاء، تتحول من منصب إلى رسالة.

كل عام وجلالة الملكة رانيا العبدالله بخير، وكل عام والمرأة الأردنية أكثر حضوراً وثقةً وقدرةً على صناعة المستقبل. وكل عام والأردن يزهو بنسائه ورجاله وشبابه، وبكل من يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم أشكال بناء الوطن.

مدار الساعة ـ