أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عبدالرؤوف الروابدة.. مقامةُ الوفاء والأمانة


جهاد المساعدة

عبدالرؤوف الروابدة.. مقامةُ الوفاء والأمانة

مدار الساعة ـ

عُقِد مجلسٌ لأهل الرأي والرواية، وأرباب التجربة والدراية، فجرى الحديث في عمّان وأيامها، وفي رجالٍ مرّوا بها؛ فمنهم من ترك اسمه على ورق، ومنهم من ترك أثره في الحجر والبشر.

ثم التفت القوم إلى دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة، وقالوا:

حدّثنا عن أمانة عمّان.

فأطرق الرجل، وصمت.

ولم يكن صمته بحثًا عن جواب، بل رجوعًا إلى زمن؛ كأن السؤال لم يطرق أذنه، بل طرق بابًا قديمًا في قلبه.

ومضت لحظات، فتغيّر الوجه، وخفت الصوت، وسبقت العينُ اللسان.

فاضت عيناه…

فسكت المجلس.

وعندها أدرك القوم أن الحديث لم يعد عن مدينة، ولا عن منصب، ولا عن أعوامٍ انقضت.

لقد سألوا عن عمّان…

فحضر الحسين.

وسألوا عن الأمانة…

فاستيقظ العهد.

وما أعجب الذاكرة!

تسأل الرجل عن مكان، فتأتيك بإنسان؛ وتسأله عن منصب، فتأتيك بموقف؛ وتفتح لها بابًا صغيرًا، فتردّ إليك عمرًا كاملًا.

كان عبدالرؤوف يرى عمّان، ولكن خلف عمّان كان يرى الحسين؛ يرى ملكًا لم تكن المسافات عنده تُقاس بما بين القصر والمكتب، بل بما بين القلب والقلب.

ملكًا يسأل، ويتابع، ويزور، ويعرف أن بعض الزيارات لا تُكتب في جدول المراسم، بل في سجل الوفاء.

وكانت صلته بعبدالرؤوف من تلك الصلات التي تمضي أيامها، ولا يمضي معناها.

مضى الملك من المكان، وبقي في الرجل.

ومرّت الأعوام، وتبدّلت المواقع، وتعاقبت الوجوه، وبقيت تلك الخطوة التي خطاها الحسين نحو رجل من رجاله أبقى في الذاكرة من الطريق التي قطعها.

وما أقلَّ الرجال الذين ظلّت ذاكرتهم، بعد انقضاء العقود، تحفظ يومًا جاءهم فيه الملك؛ فما كل موقفٍ يمضي بانتهاء يومه، ولا كل خطوةٍ يمحوها طول الطريق.

وهنا سرّ الحكاية.

لم يكن الحسين يحتاج إلى البعد ليكون مهيبًا؛ فقد كانت هيبته أرسخ من أن يُخشى عليها من القرب، وكانت عظمة المُلك فيه لا تحجب عنه إنسانية اللقاء.

فإذا رأى جهدًا قدّره، وإذا لمس صدقًا حفظه، وإذا أحسن الرجل، لم تحل هيبة المُلك بينه وبين إنصافه، ولا مقام العرش بينه وبين الوفاء له.

ولهذا لم يكن الحسين في قلب عبدالرؤوف ذكرى تُستعاد، بل عهدًا يسري في الوجدان؛ غاب صاحبه عن العين، وبقي أثره في القلب، كأن الغياب لم يمسّ ذلك العهد، ولا استطاعت السنون أن تمحو منه شيئًا.

وحين قيل له: أمانة عمّان، لم تخرج من ذاكرته الشوارع ولا الخرائط ولا المكاتب.

خرج الحسين.

وخرج معه زمنٌ كامل؛ زمنٌ كان فيه الموقف أثقل من الورقة، والكلمة أبقى من القرار، والوفاء يعرف طريقه من القصر إلى الرجال.

فبكى عبدالرؤوف.

ولا تقولوا: غلبته العاطفة.

قولوا: غلبه الوفاء.

فالدمعة التي تنزل بعد عقود ليست ضعفًا طارئًا، وإنما عهدٌ طال بقاؤه حتى ضاق به الجفن.

وما كل دمعة ماء؛ فبعض الدموع ذاكرةٌ ذابت، وبعضها عمرٌ كامل اختصر نفسه في قطرة، وبعضها رجل يريد أن يقول: لم أنسَ، فلا يجد في اللغة كلمة تكفي، فتتكلم العين.

وهكذا تكلمت عين عبدالرؤوف؛ قالت إن المعروف لا يهرم، وإن الموقف الكريم قد يعيش أطول من صاحبه.

وسبحان من جعل للوفاء ذاكرةً لا تشيب!

يشيب الرأس، وتتغيّر الملامح، وتتباعد الأيام، لكن يدًا امتدت إليك بصدق قبل عشرات السنين قد تبقى في قلبك أفتى من الأمس.

وهنا اتسعت كلمة الأمانة حتى صارت أكبر من المنصب.

فأمانة عمّان لها مفتاح يُسلَّم، وأمين يأتي وأمين يمضي.

أما أمانة الوفاء، فلا باب لها إلا القلب، ولا مفتاح لها إلا الذكرى.

الأولى تنتهي بقرار، والثانية لا ينتهي سلطانها ما دام في الصدر نبض.

الأولى تُكتب في السجلات، والثانية تُكتب في العيون.

ولهذا كانت دمعة عبدالرؤوف سجلًا آخر؛ لا تحفظه الأدراج، ولا تأكله الأوراق، ولا تغيّره الحكومات.

لقد قالت تلك الدمعة، من غير حرف:

كان الحسين وفيًّا.

فأوفى الملك للرجل في حضوره، وأوفى الرجل للملك في غيابه.

ذاك حفظ له جهده حين كان بين يديه، وهذا حفظ له عهده بعدما صار بين يدي ربه.

وما بين الوفاءين قامت الحكاية كلها:

ملكٌ لا ينسى رجاله، ورجالٌ لا ينسون ملكهم.

ولذلك لم يكن الحسين في ذلك المجلس غائبًا؛ كان أكثر الحاضرين حضورًا.

لم نرَ وجهه، ولكن رأينا أثره؛ ولم نسمع صوته، ولكن سمعنا صداه في قلب رجل.

لم يدخل من باب المجلس؛ دخل من باب الذاكرة، وخرج من عين عبدالرؤوف دمعة.

فالوفاء لا يحتاج دائمًا إلى خطبة، ولا إلى شهادة؛ أحيانًا تكفيه عينٌ تعجز عن حبس ما حفظه القلب.

سألوه عن عمّان…

فَذَكَرَ الحسينَ.

وذُكِرَ الحسينُ…

فارتجف الصوت، وعاد الزمن، واستيقظ العهد.

ثم ضاق القلب بما عاد، وفاضت العين، وسكت المجلس.

وعندها أدركنا أن بعض الرجال إذا رحلوا تركوا أسماءً في السجلات، وبعضهم تركوا لأنفسهم منازل في القلوب.

وأن الحسين لم يكن في قلب عبدالرؤوف ذكرى رجلٍ مضى، بل موقفًا حيًّا لم يمت؛ أثرًا بقي بعد انقضاء السنين، وعهدًا حفظه القلب ولم تطوه الأيام.

ولستُ أبرأ من هوى القلب في هذا المقام؛ فقد كان لعبدالرؤوف عندي وُدٌّ، ومكانٌ محفوظ، ومحبةٌ لم تنسجها المجاملة، بل صنعتها معرفة الرجل وفكره، وثباته على الرأي، ووضوح معدنه، وصدق موقفه.

غير أنني، يوم رأيت دمعته تنحدر لذكر الحسين، شعرت أن منزلته في نفسي قد علت، وأن المودة قد بلغت منزلةً أعمق؛ لأنني رأيت في دمعه شيئًا أعرفه في وجداني، وفي حفظه للعهد ما يوافق ما أحمله في قلبي.

وسلامٌ على الحسين، يوم كان قريبًا من رجاله، وسلامٌ عليه يوم بقي، بعد الرحيل، قريبًا من قلوبهم.

وسلامٌ على عبدالرؤوف، إذ شاخ الجسد ولم يشخ العهد.

وسلامٌ على دمعتين انحدرتا من عين رجل دولة، فاختصرتا من الوفاء ما تعجز عن اختصاره المجلدات.

سألوا عن أمانة عمّان…

فأجابت أمانة الوفاء.

وسألوا اللسان عن الحسين…

فأجابت العين.

وهنا انتهت المقامة؛ فإذا أجاب الدمع عن الوفاء، كان الصمت أبلغ من البيان.

مدار الساعة ـ