أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الابتزاز الإلكتروني ضد المرأة في عصر الذكاء الاصطناعي


المحامية مرام القشي
ماجستير قانون جنائي

الابتزاز الإلكتروني ضد المرأة في عصر الذكاء الاصطناعي

المحامية مرام القشي
المحامية مرام القشي
ماجستير قانون جنائي
مدار الساعة ـ
من التهديد التقليدي إلى العنف الرقمي المركب: التحديات القانونية وسبل الحماية

مقدمة

لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للتواصل أو الحصول على المعلومات، بل أصبحت فضاءً متكاملًا للعمل والتعليم والتعبير والمشاركة الاجتماعية والاقتصادية. ومع هذا التحول، انتقلت بعض صور العنف ضد المرأة من الواقع التقليدي إلى البيئة الرقمية، وظهرت أنماط جديدة من الاعتداء يصعب أحيانًا اكتشافها أو احتواؤها بالوسائل التقليدية.

ومن أخطر هذه الأنماط الابتزاز الإلكتروني، الذي لم يعد يقتصر على تهديد المرأة بنشر صورة أو محادثة خاصة، بل أصبح، مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، قادرًا على إنشاء محتوى لم يكن موجودًا أصلًا، أو تعديل صورة حقيقية، أو تقليد صوت الضحية، أو إنتاج مقطع مصور يبدو حقيقيًا رغم كونه مفبركًا.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة:

في الماضي، كان المبتز يحتاج إلى مادة حقيقية لتهديد الضحية بها؛ أما اليوم، فقد يستطيع إنشاء المادة التي يستخدمها في تهديدها.

ويفرض هذا التحول على المشرّع والباحث القانوني إعادة النظر في مفهوم الابتزاز الإلكتروني، وقواعد الإثبات، والمسؤولية الجنائية، وآليات حماية الضحايا.

وتؤكد تقارير حديثة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الذكاء الاصطناعي أسهم في توسيع نطاق العنف الميسّر بالتكنولوجيا ضد النساء والفتيات، بما يشمل التزييف العميق، وانتحال الهوية، والابتزاز، والملاحقة الرقمية، والتشهير المنظم.

أولًا: عندما يتحول الهاتف من وسيلة تواصل إلى أداة للسيطرة

يبدأ الابتزاز الإلكتروني في كثير من الحالات بصورة تبدو بسيطة: علاقة عاطفية، أو صداقة عبر الإنترنت، أو محادثة على أحد تطبيقات التواصل، أو تبادل صور خاصة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك البيانات إلى وسيلة للسيطرة.

فقد يحتفظ أحد الأشخاص بصورة أو تسجيل أو محادثة خاصة، ثم يبدأ بتهديد المرأة بنشرها إذا لم تستجب لمطالبه.

وقد تكون هذه المطالب مالية أو عاطفية أو جنسية، أو ترتبط بإجبار الضحية على استمرار العلاقة أو منعها من إنهائها.

وفي حالات أخرى، قد لا تكون هناك علاقة سابقة أصلًا؛ إذ قد يعمد الجاني إلى اختراق حساب، أو سرقة صور من حساب عام، أو الحصول على بيانات من هاتف الضحية، ثم استخدامها في عملية ابتزاز.

وهنا يجب التأكيد على مبدأ جوهري:

إن امتلاك شخص لصورة أو معلومة تخص امرأة لا يمنحه الحق في استخدامها للإضرار بها أو تهديدها أو نشرها دون رضاها.

ثانيًا: من الصورة الحقيقية إلى الصورة المصطنعة

كان الابتزاز الإلكتروني التقليدي يعتمد غالبًا على وجود محتوى حقيقي.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد غيّر هذه المعادلة.

فأصبح بالإمكان استخدام صورة عادية منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإدخالها في أدوات تقنية قادرة على إنتاج محتوى مزيف يبدو، للوهلة الأولى، حقيقيًا.

وقد يشمل ذلك:

- تركيب وجه المرأة على صورة أو مقطع آخر.

- إنتاج صور ذات طبيعة جنسية لم تكن موجودة أصلًا.

- تقليد صوت المرأة.

- إنشاء تسجيلات صوتية مزيفة.

- تركيب مقاطع فيديو تبدو واقعية.

- إنشاء حسابات تنتحل شخصيتها.

- إنتاج رسائل أو محادثات مزيفة.

- استخدام الصور والمعلومات المتاحة علنًا لبناء هوية رقمية مزيفة.

وهنا نصل إلى مرحلة أكثر خطورة من الابتزاز التقليدي، لأن الضحية قد تواجه محتوى لم تنتجه، ولم ترسله، ولم تصوره أصلًا.

وقد وصفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة هذا التطور بأنه توسع في العنف الرقمي، مشيرة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق، والمضايقة، والابتزاز، وانتحال الشخصية.

ثالثًا: هل تستطيع القواعد القانونية التقليدية مواجهة «الجريمة المصطنعة»؟

تُعد هذه من أبرز الإشكاليات القانونية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.

فالقانون الجنائي يقوم على مبادئ أساسية، من بينها تحديد الفعل الجرمي، ونسبته إلى فاعله، وإثبات القصد الجرمي، وتوافر الأدلة التي تمكّن المحكمة من تكوين قناعتها.

لكن ماذا يحدث عندما ينشئ شخص صورة أو مقطعًا مصطنعًا بهدف تهديد امرأة أو تشويه سمعتها؟

في هذه الحالة، لا يكفي أن يقتصر التحقيق على السؤال الآتي:

هل الصورة حقيقية؟

بل يجب أن يتناول أيضًا الأسئلة التالية:

من أنشأها؟ وكيف أنشأها؟ ولماذا أنشأها؟ ولمن أرسلها؟ وما الغرض من استخدامها؟

ويعني ذلك أن التحقيق في الجرائم الرقمية أصبح يتطلب خبرة تقنية متقدمة قادرة على تحليل البيانات الرقمية، ومصادر الملفات، وطرق إنشائها وتداولها، والروابط بين الحسابات والأجهزة المستخدمة.

رابعًا: الابتزاز الإلكتروني ليس جريمة واحدة بالضرورة

من الأخطاء التي ينبغي تجنبها النظر إلى الابتزاز الإلكتروني باعتباره فعلًا منفردًا.

ففي بعض الوقائع، قد تجتمع عدة أفعال جرمية في حادثة واحدة، مثل:

اختراق الحساب، وسرقة البيانات، والتهديد، والتشهير، ونشر المحتوى، وانتحال الشخصية، والملاحقة الإلكترونية.

وقد يتطور الأمر إلى ما هو أخطر عندما يؤدي العنف الرقمي إلى عنف واقعي.

فالملاحقة الإلكترونية قد تكشف مكان المرأة، والتشهير قد يؤثر في عملها، والتهديد قد يمتد إلى أفراد أسرتها، كما أن تسريب بياناتها قد يعرّضها لمخاطر خارج الفضاء الإلكتروني.

ولهذا أكدت الأمم المتحدة أن العنف الرقمي لا يبقى بالضرورة داخل الشاشة، بل قد يمتد إلى آثار نفسية واجتماعية ومهنية، وقد يتطور، في بعض الحالات، إلى مخاطر في العالم الواقعي.

خامسًا: المرأة العاملة والشخصية العامة أمام نوع جديد من الاستهداف

تتخذ المشكلة بُعدًا أكثر حساسية عندما تكون المرأة ناشطة اجتماعية، أو إعلامية، أو أكاديمية، أو محامية، أو سياسية، أو صاحبة مشروع.

فالحسابات العامة تجعل الحصول على الصور والمعلومات أكثر سهولة، وقد تتحول الشهرة أو الحضور العام إلى عامل استهداف.

وقد لا يكون الهدف الحصول على المال أصلًا، بل قد يتمثل في:

إسكات المرأة.

فقد تتعرض امرأة ناشطة في قضية عامة لحملة تشهير رقمية، أو تهديد، أو انتحال لشخصيتها، أو نشر محتوى مزيف بهدف دفعها إلى التراجع عن موقفها.

وهنا يتحول الابتزاز الإلكتروني من اعتداء على فرد إلى وسيلة لتقييد مشاركة المرأة في الحياة العامة.

وتشير الأدبيات الحديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن العنف المدفوع بالذكاء الاصطناعي يؤثر بصورة خاصة في النساء الموجودات في المجال العام، ويمكن أن يعزز الصور النمطية والتمييز والهجمات الرقمية المنسقة.

سادسًا: التحدي الأكبر: الدليل الإلكتروني

في الجرائم التقليدية، قد تتوافر بصمات مادية أو شهود أو مستندات.

أما في الجريمة الإلكترونية، فقد تكون «الجريمة» موجودة داخل هاتف أو حساب أو خادم أو تطبيق.

وقد يحذف الجاني الرسائل بعد إرسالها، أو يستخدم حسابًا وهميًا، أو ينتقل بين عدة منصات.

لذلك فإن الدليل الإلكتروني أصبح محورًا أساسيًا في مكافحة الابتزاز.

ويجب التعامل معه بسرعة وحذر، مع الحفاظ على سلامة الدليل وإمكانية التحقق من مصدره، وضمان سلامة الإجراءات المتبعة في الحصول عليه.

وتبرز هنا الحاجة إلى تطوير الخبرات الفنية لدى جهات إنفاذ القانون، وتدريب القائمين على التحقيق والادعاء والقضاء على طبيعة الأدلة الرقمية والتقنيات الحديثة المستخدمة في تزوير المحتوى.

سابعًا: المشكلة لا تتعلق بالقانون وحده

حتى أفضل التشريعات لن تكون كافية إذا كانت الضحية تخشى الإبلاغ.

وفي مجتمعاتنا العربية تحديدًا، قد تخشى بعض النساء رد فعل الأسرة أو المجتمع أكثر من خوفهن من الجاني نفسه.

وقد يستغل المبتز هذا الخوف، فيقول للضحية:

«إذا أبلغتِ الشرطة، فسأرسل كل شيء إلى عائلتك.»

وهنا يصبح الصمت جزءًا من البيئة التي تسمح باستمرار الجريمة.

لذلك، فإن مكافحة الابتزاز الإلكتروني تتطلب تغييرًا ثقافيًا وقانونيًا مهمًا:

الضحية ليست متهمة.

ولا يجوز أن تتحول خصوصية المرأة أو خطؤها في الثقة بشخص ما إلى مبرر لإعفاء الجاني من المسؤولية.

ثامنًا: التجارب التشريعية الدولية تكشف الحاجة إلى التطوير المستمر

بدأت بعض الدول في تطوير تشريعاتها لمواجهة الأشكال الجديدة من العنف الرقمي.

ففي البرازيل، على سبيل المثال، أُدخلت في عام 2025 تعديلات على القانون الجنائي لتشديد العقوبة في حالات العنف النفسي ضد المرأة باستخدام الذكاء الاصطناعي أو تقنيات أخرى لتعديل صورتها أو صوتها. كما تناولت المملكة المتحدة، ضمن منظومتها المتعلقة بالسلامة على الإنترنت، بعض أشكال مشاركة الصور الجنسية المعدلة رقميًا.

وتكشف هذه الاتجاهات عن حقيقة مهمة:

إن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من التشريع.

ولهذا، لا يستطيع المشرّع الاكتفاء بالنصوص القائمة إلى أجل غير مسمى، بل يحتاج إلى تشريعات مرنة وقابلة للتطوير، مع المحافظة على الضمانات الدستورية ومبادئ الشرعية الجنائية.

تاسعًا: نحو حماية قانونية أكثر فاعلية للمرأة

لا تبدأ الحماية الفعالة بعد وقوع الجريمة فحسب، بل تبدأ قبل وقوعها.

ومن أهم التدابير المقترحة:

1. تحديث التشريعات

بحيث تشمل بصورة واضحة الأفعال المرتبطة بالمحتوى المصطنع باستخدام الذكاء الاصطناعي، وانتحال الهوية الرقمية، والتزييف العميق، والمشاركة غير الرضائية للصور الحميمة.

2. تسريع إجراءات الإبلاغ

لأن المحتوى الرقمي قد ينتشر خلال دقائق، فإن التأخر في الاستجابة قد يؤدي إلى تفاقم الضرر وتضاعفه.

3. تعزيز التعاون مع المنصات الرقمية

من خلال وضع آليات واضحة وسريعة للتعامل مع المحتوى غير المشروع، ولا سيما المحتوى الذي يتضمن تهديدًا أو ابتزازًا أو انتهاكًا للخصوصية.

4. إنشاء وحدات متخصصة

تجمع بين الخبرة القانونية والتقنية والنفسية للتعامل مع ضحايا العنف الرقمي.

5. تطوير قواعد الإثبات

بما يتيح التعامل مع المحتوى المصطنع والتمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المنتج أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي.

6. حماية الضحية أثناء الإجراءات

بحيث لا تتحول إجراءات التحقيق إلى مصدر جديد للوصمة أو التشهير.

7. نشر الثقافة الرقمية

فالحماية لا تعني مطالبة المرأة بالاختفاء من الإنترنت، بل تمكينها من استخدام التكنولوجيا بأمان ووعي.

عاشرًا: من «حماية المرأة» إلى «تمكين المرأة رقميًا»

من المهم ألا تتحول مواجهة الابتزاز الإلكتروني إلى خطاب يحمّل المرأة مسؤولية الجريمة.

فليس الحل أن نقول للمرأة:

«لا تنشري صورتك.»

أو:

«لا تستخدمي مواقع التواصل.»

أو:

«لا تثقي بأحد.»

قد تكون هذه النصائح مفيدة في مجال الوقاية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.

فالحل الحقيقي يتمثل في بناء بيئة رقمية تحاسب كل من يستخدم التكنولوجيا للإيذاء.

ويجب أن تكون المرأة قادرة على استخدام الإنترنت للعمل والتعليم وإدارة المشاريع والمشاركة السياسية والمجتمعية والتعبير عن رأيها، دون أن يصبح حضورها الرقمي سببًا في تعرضها للعنف.

خاتمة

لم يعد الابتزاز الإلكتروني ضد المرأة مجرد صورة حديثة من صور الجرائم التقليدية، بل أصبح ظاهرة قانونية واجتماعية متغيرة تتطور بالتوازي مع تطور التكنولوجيا.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، انتقلت الجريمة من مرحلة استغلال محتوى حقيقي إلى مرحلة يمكن فيها إنشاء محتوى مزيف واستخدامه سلاحًا ضد المرأة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة.

فالتحدي الذي يواجه المشرّع لا يتمثل فقط في تشديد العقوبات، بل في بناء منظومة قانونية قادرة على فهم التكنولوجيا، وتحديد المسؤولية، وحماية الدليل، وضمان سرعة الاستجابة، وتوفير الحماية الفعالة للضحية.

كما أن المؤسسات المعنية بحقوق المرأة مطالبة بالانتقال من خطاب التوعية التقليدي إلى التمكين الرقمي والقانوني.

إن حماية المرأة في العصر الرقمي ليست ترفًا تشريعيًا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية حقوق الإنسان.

فالفضاء الرقمي أصبح امتدادًا للحياة الواقعية، وما تتعرض له المرأة على الشاشة يمكن أن يترك أثرًا حقيقيًا في حياتها وسمعتها وعملها وأسرتها وأمنها.

ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن يحملها التشريع الحديث واضحة:

لا ينبغي أن تكون التكنولوجيا أداة لإسكات المرأة، بل وسيلة لتمكينها؛ ولا ينبغي أن تتحول حرية الوصول إلى العالم الرقمي إلى ثمن تدفعه المرأة من خصوصيتها وكرامتها وأمانها.

إن بناء فضاء رقمي آمن للمرأة هو، في جوهره، بناء مجتمع أكثر عدالة؛ لأن الحقوق التي نحميها للمرأة خلف الشاشة هي ذاتها الحقوق التي نحميها لها في الحياة.

مدار الساعة ـ