أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أين الملك عبدالله؟.. سؤالٌ عن الغياب أم تجاهلٌ للحضور؟


العميد المتقاعد حسن فهد أبو زيد

أين الملك عبدالله؟.. سؤالٌ عن الغياب أم تجاهلٌ للحضور؟

مدار الساعة ـ

في مقال نشرته مجلة Foreign Policy تحت عنوان: «أين الملك عبدالله؟»، للكاتب الأمريكي (Aaron Magid)، يطرح الكاتب تساؤلات حول غياب جلالة الملك عبدالله الثاني عن المشهد الداخلي، وكثرة جولاته وتحركاته الخارجية، ثم يبني على ذلك مجموعة من الاستنتاجات السياسية المتعلقة بالأردن والمنطقة، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والحرب على غزة، وإيران، وبعض قضايا المنطقة بشكل عام.

وبالتأكيد، من حق أي كاتب أو صحيفة أو مجلة أن تطرح مثل هذه الأسئلة، فالفضاء الإعلامي واسع جدًا، والعالم، في ظل التطورات التكنولوجية، أصبح قرية صغيرة.

لكن عندما يتحول السؤال إلى عنوان يحمل في طياته إيحاءات تتجاوز السؤال نفسه، ويصبح أقرب إلى الغمز واللمز، فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نتوقف عنده ونناقشه، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالأردن وقيادته الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.

فالملك الذي لا يكّل ولا يمّل من السعي إلى تحقيق الأمن والاستقرار، ليس في الأردن وحده وإنما في المنطقة والعالم، ويدرك أن الأمن والاستقرار لن يتحققا من دون إعادة الحقوق إلى أصحابها، ووقف شريان الدم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، في ظل ما يشهده العالم من غياب مؤلم للعدالة الدولية والإنسانية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو:

هل وجود الملك داخل الأردن هو المعيار الوحيد لقياس حضوره؟ أم أن حضور الأردن في العواصم العالمية الكبرى، من خلال الحضور الفاعل لجلالة الملك، هو أحد أهم أشكال الحضور الأردني؟

فالملك الذي يغادر عمّان في جولاته المكوكية لا يغادر الأردن سياسيًا، وإنما يحمل الأردن معه، ويحمل في قلبه أيضًا القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وفي هذه الجولات، يتحدث جلالة الملك باسم المصالح الأردنية الاقتصادية والسياسية، ويدافع عن أمن الأردن واستقراره، ويؤكد الدور الأردني الفاعل في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، بما ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها.

كما يضع القضية الفلسطينية في مقدمة القضايا التي يطرحها في المحافل الدولية، ويحذر من تداعيات الحرب على غزة، ومن محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو حلها على حساب شعوب المنطقة، ويؤكد باستمرار رفض التهجير ورفض تحويل الأردن إلى وطن بديل.

إن اختزال جولات الملك الخارجية في مسألة «الغياب أو التجاهل» هو اختزال للمشهد برمته في صورة واحدة، ويتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن السياسة الخارجية الأردنية أصبحت، في عصرنا، جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الأمن الوطني الأردني.

فليعلم كاتب المقال أن الملك في الخارج... والأردن حاضر.

ولربما كان السؤال الأصح الذي ينبغي أن يطرحه الكاتب هو:

ماذا يفعل الملك عندما يكون خارج الأردن؟

فالزيارات واللقاءات الملكية المكوكية ليست مجرد بروتوكول أو جولات علاقات عامة، وإنما هي جزء من عمل سياسي ودبلوماسي متواصل، خصوصًا في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتنعكس أزماتها بصورة مباشرة على الأردن وشعبه.

لقد جعل جلالة الملك من القضية الفلسطينية محورًا ثابتًا في تحركاته الدولية، ولم يتعامل معها باعتبارها ملفًا عابرًا أو ورقة سياسية مؤقتة، وإنما باعتبارها قضية مركزية للأردن وللمنطقة وللعالم.

وفي كل محطة تقريبًا، كان الموقف الأردني واضحًا وثابتًا: رفض التهجير، ورفض تصفية القضية الفلسطينية، ورفض تحويل الأردن إلى وطن بديل، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.

فهل يمكن وصف هذا بأنه «غياب»؟

إن وصف هذا الحضور بأنه غياب فيه ظلم كبير للحقيقة والمنطق ، إلا إذا كان وراء السؤال غاية أخرى، أو كما يقال: «لغاية في نفس يعقوب».

ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، كان الأردن حاضرًا سياسيًا وإنسانيًا، وفي قلب الحدث، ولم يكتفِ بالمواقف اللفظية، بل كانت هناك جهود سياسية ودبلوماسية متواصلة، واتصالات مع مختلف الأطراف، وتحرك في المحافل الدولية، إلى جانب المساعدات الإنسانية والطبية التي قدمها الأردن، واستمرار دوره في دعم الأشقاء الفلسطينيين.

وكان جلالة الملك من أكثر الأصوات العربية وضوحًا في التحذير من استمرار الحرب، ومن تداعياتها الإنسانية والسياسية والأمنية، مؤكدًا ضرورة وقف الحرب وحماية المدنيين، ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد على حساب الشعب الفلسطيني ودول المنطقة.

فإذا كان كاتب المقال يريد أن يقيس حضور جلالة الملك، فلماذا لا يقيسه من خلال النتائج؟

ماذا قال؟.وماذا فعل؟وأين أوصل صوت الأردن؟

وما الذي حققه من خلال تحركاته واتصالاته؟

بدلًا من قياس حضوره بعدد الأيام التي أمضاها خارج المملكة!

ومن الملاحظ في بعض الكتابات الغربية أنها تتعامل أحيانًا مع الظهور الإعلامي باعتباره معيارًا للحضور السياسي، وهذا معيار يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الحضور السياسي لا يقاس بعدد المقابلات التلفزيونية أو بعدد مرات ظهور المسؤول أمام الكاميرات.

فالقيادة ليست بالضرورة كثرة المقابلات أو الظهور اليومي أمام الإعلام. هناك ملفات لا تُدار أمام الكاميرات، وهناك اتصالات ولقاءات ومباحثات لا تظهر تفاصيلها للرأي العام، وقد يكون أثرها أكبر بكثير من أي ظهور إعلامي.

والأهم من ذلك كله هو النتيجة.

فالملك ليس مطلوبًا منه أن يكون حاضرًا في كل شاشة، وإنما أن يكون حاضرًا عندما يحتاج الأردن إلى حضوره.

وليَعلم هؤلاء، وخاصة بعض كتّاب الصحافة الصفراء، أن الأردن ليس جزيرة معزولة، وإنما هو دولة تقع في قلب منطقة مضطربة وغير مستقرة، وتتأثر بصورة مباشرة بما يجري في فلسطين وسوريا والعراق وإيران، وبطبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية، وبكل التحولات التي تشهدها المنطقة.

ولهذا، فإن العلاقات الدولية بالنسبة للأردن ليست ترفًا سياسيًا، ولا رحلات بروتوكولية أو جولات للترفيه عن النفس، بقدر ما هي تحركات ذات طابع سياسي واقتصادي وتنسيقي، تهدف إلى حماية المصالح الأردنية، وتعزيز أمنه واستقراره، والمساهمة في خلق بيئة إقليمية ودولية أكثر أمنًا واستقرارًا.

وكل ذلك يُعد جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الوطني الأردني.

فالعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والآسيوية، والاتصالات مع قادة العالم، وشرح الموقف الأردني، والحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، كلها عوامل ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الأردن على مواجهة الضغوط والتحديات، وحماية مصالحه الوطنية.

ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:

أين الملك؟بل:

أين الأردن عندما يكون الملك في الخارج؟

والإجابة واضحة:

الأردن حاضر، ويعيش الحدث ومن قلبه، لأن الملك يحمل قضاياه معه أينما ذهب.

بل إن الأردن، كأي دولة، لديه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وهذا أمر طبيعي، لكن هذه التحديات لا تعني غياب الدولة أو غياب القيادة، بل تؤكد أهمية الاستقرار السياسي والأمني، وضرورة التعامل مع كل الملفات الداخلية والخارجية بحكمة ومسؤولية.

وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير سبب أهمية الاستقرار السياسي والأمني في الأردن، ولماذا يحاول البعض قراءة كل تحرك أردني، وكل زيارة ملكية، وكل تصريح رسمي، باعتباره مؤشرًا على تحولات داخلية أو صراعات خفية.

ومن هنا، فإن إطلاق أسئلة من نوع «أين الملك؟» ينبغي ألا يدفع الأردنيين إلى القلق أو الانجرار وراء التأويلات المغرضة وإنما إلى قراءة المشهد بوضوح و بموضوعية، والنظر إلى ما يفعله جلالة الملك، لا إلى المكان الذي يوجد فيه فقط.

فالملك، عندما يلتقي رئيس دولة كبرى، أو مسؤولًا دوليًا، أو قيادة عربية، لا يتحدث بصفته الشخصية، وإنما يتحدث بصفته رئيس دولة لها موقعها ودورها وتأثيرها في المجتمع الدولي، ويمثل مصالح شعبه ويدافع عن قضايا وطنه وأمته.

أما محاولات تحويل الجولات الملكية إلى مادة للتشكيك أو زرع القلق، فلن تنجح في تغيير حقيقة بسيطة وواضحة:

الأردن يُقاس بما يحققه من حضور ومواقف ومصالح في عالم لا مكان فيه للدول التي تغيب عن المشهد.

فالملك الذي يسافر من أجل الأردن...

ليس غائبًا عن الأردن، بل يأخذ الأردن معه أينما ذهب......

مدار الساعة ـ