أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رسالة إلى كاتب مقال 'أين الملك عبدالله؟' وشاكلته بيننا


د. نضال المجالي

رسالة إلى كاتب مقال 'أين الملك عبدالله؟' وشاكلته بيننا

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

قرأت مقالك المنشور في مجلة Foreign" Policy" فورين بولسي تحت عنوان "أين الملك عبدالله؟" وهو عنوان يطرح سؤالاً لافتاً حول حضور جلالة الملك عبدالله الثاني في المشهد السياسي والإعلامي، ومن حق أي كاتب أو مراقب دولي أن يطرح الأسئلة حول أداء القيادات وحضورها، وأن يناقش خياراتها ومسؤولياتها.

لكنني، كمواطن أردني، أعتقد أن السؤال يحتاج إلى إعادة تركيز وصياغة أعمق؛ فحضور القائد لا يُقاس دائماً بعدد مرات ظهوره أمام الكاميرات، أو بتكرار تصريحاته في وسائل الإعلام، ففي السياسة، هناك حضور علني يراه الناس، وحضور آخر يجري في غرف القرار، حيث تُدار الملفات الحساسة، وتُبنى المواقف، وتُحفظ قنوات الاتصال.

لذلك، ربما يكون السؤال الأهم ليس: أين الملك عبدالله؟

بل: ما الذي يفعله الملك عندما لا نراه؟

ولعل ما تفاعل معه الأردنيون في اليومين الماضيين يوضح الفرق بين الحضور الإعلامي والحضور الحقيقي، فقد كان تفاعلهم مع صلاة سمو الأميرة إيمان بنت الحسين يوم الجمعة الماضي أبلغ وأعمق من تفاعلهم مع مقالك، لا لأن المقال لا يستحق النقاش، بل لأن ذلك المشهد البسيط عكس صورة الأردن في هدوئه وتماسكه وارتباط قيادته بمجتمعها، بعيداً عن الاستعراض أو السعي إلى صناعة الحضور عبر العناوين.

فبعض المشاهد لا تحتاج إلى شرح طويل، وبعض الحضور لا يُقاس بعدد التصريحات، بل بالأثر الذي يتركه في وجدان الناس.

الأردن لا يعيش في بيئة سياسية طبيعية، فهو يقع في قلب إقليم تتقاطع فيه الحروب والمصالح الدولية والأمنية والاقتصادية، وعلى حدوده ملفات مفتوحة، وفي محيطه قوى كبرى، بينما يواجه داخلياً تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية، وفي مثل هذه البيئة، تصبح إدارة الدولة إدارة للتوازنات قبل أن تكون إدارة للخطابات.

ليس كل موقف قابلاً للإعلان، وليس كل قرار يمكن شرحه لحظة اتخاذه، وليس كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة أقل أهمية مما يظهر أمام الكاميرات، بل إن الدبلوماسية تقوم أحياناً على إبقاء الأبواب مفتوحة، لا على إغلاقها بتصريح نهائي.

وهنا ينبغي التمييز بين مرئية القيادة وفاعليتها، فقد يكون القائد كثير الظهور، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أكثر قدرة على حماية مصالح دولته، وقد يكون أقل حضوراً إعلامياً، لكنه يمارس تأثيراً واسعاً في إدارة العلاقات والتحالفات والأزمات.

وهذا لا يعني أن التواصل مع المواطنين غير مهم؛ فهو ضرورة لتعزيز الثقة والشفافية، لكن اختزال القيادة في عدد التصريحات أو مرات الظهور يقدّم صورة ناقصة عن طبيعة العمل السياسي، خصوصاً في دولة محدودة الموارد، ضيقة هامش المناورة، وموجودة في منطقة لا تتوقف عن تغيير قواعد اللعبة.

لقد استطاع الأردن، رغم محدودية إمكاناته، الحفاظ على استمرارية مؤسساته واستقراره وسط حروب وانهيارات وصراعات إقليمية كبرى، وهذا لا يلغي التحديات الداخلية، من البطالة وضعف الفرص إلى الحاجة إلى تطوير الإدارة العامة، وتعزيز المشاركة السياسية، وتحويل الإصلاح إلى أثر ملموس في حياة الناس، لكنها ملفات تستحق نقاشاً أعمق من السؤال عن عدد مرات ظهور الملك على الشاشة.

فالقيادة الأردنية تُختبر أحياناً ليس فقط بما تستطيع أن تفعله، بل بما تستطيع أن تمنع حدوثه: منع أزمة، وإبقاء قناة اتصال مفتوحة، والحفاظ على علاقة إستراتيجية دون خسارة علاقات أخرى، وحماية المصالح الوطنية وسط صراعات أكبر من قدرة الدولة.

لذلك، فإن السؤال الأجدر بالأردن ليس فقط: أين الملك؟

بل: ما الذي يفعله عندما لا نراه؟ وما الخيارات المتاحة أمام الأردن؟ وكيف تُدار دولة صغيرة وسط إقليم مضطرب؟

قد يكون عنوان مقالك مدخلاً صحفياً جذاباً، لكنه لا يكفي لفهم المشهد الأردني، فالسؤال الأعمق ليس أين الملك، بل: أين الأردن من كل ما يحدث حوله؟

وعندما نجيب عن هذا السؤال، سنفهم بصورة أفضل حضور الملك، وصمته أحياناً، وخياراته في دولة لا تملك رفاهية الخطأ، وفي إقليم لا يمنح أحداً فرصة ثانية بسهولة. فهل وعيت؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ