أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

محمد طملية.. إليك، بطبيعة الحال


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

محمد طملية.. إليك، بطبيعة الحال

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

"أحب الحياة. أحبها جدًا. ولكن حبيبات القشعريرة تغمرني كلما نعق غراب، وعوى ذئب، ورأيتهم يضعون الشمس في كيس قمامة أسود". (محمد طملية)

غيّبه الموت، وسرق قلمه بعد أن كان قد سرق لسانه، لكنّه لم يستطع أن ينتزع من الكتابة روحها الطمليّة، تلك الروح التي عرفت كيف تضحك في وجه الألم، وكيف تجعل من السخرية قناعًا لوجه شديد الحزن.

منذ أن قرأت مجموعته القصصية "المتحمسون الأوغاد"، أدركت أنني أمام قاصّ مختلف، يمتلك أسلوبًا خاصًا ولغة لا تشبه سواها. ومنذ مقالته الأولى في الصحافة، أيقنت أن محمد طملية كاتب ساخر يحتل مكانة متميزة بين كتّاب السخرية العربية، إلى جانب أسماء مثل: محمد مستجاب وزكريا تامر ومحمود شقير. ثم عدت إلى مقالاته الساخرة بعد أن جُمعت في كتابه "إليها، بطبيعة الحال"، فوجدتني أمام كاتب لا يكتفي بإضحاك القارئ، وإنما يدفعه إلى الضحك من حافة الهاوية.

رحل محمد طملية تاركًا خلفه حياة شريكه الغريب: السرطان. رحل في نبرة حزن سوداء، مفعمة بالسخرية، منذ أن اكتشف شراكته مع ذلك "الوغد"، وظل المرض في كتاباته حاضرًا بطريقة لا تشبه حضور المرض في الكتابات التقليدية؛ لم يسمح له أن يصنع منه ضحية، بل جعله مادة أخرى للسخرية والتأمل والكتابة.

وكانت عناوين طملية وحدها كافية للدلالة على عالمه السردي؛ من "المتحمسون الأوغاد" إلى "إليها، بطبيعة الحال"، ومرورًا بما سماه من نصوصه ما يخدش الحياء العام. كان العنوان عنده جزءًا من اللعبة الكتابية، ومدخلًا إلى عالم لا يستقر على شكل واحد.

كتب طملية القصة والمقالة، وكتب نصوصًا يمكن أن تتردد في تصنيفها بين هذا الجنس أو ذاك. كتب نصوصًا سيكولوجية تثير الدهشة، تنفذ إلى أعماق إنسان وحيد، يستعرض مأساته الخاصة وهو ينظر إلى محيطه بعين ساخرة وموجوعة في آن. وكتب نصوصًا سريالية تعيد إنتاج النكتة في سياق فاجع، فتضحك من العبث، ثم تكتشف أنك كنت تضحك من مأساة. وهذه هي حالة طملية.

لقد أتاحت له ثقافته وقراءاته ومصادر الكتابة الحرة والغنية أن يظل متجددًا، وأن يخلق عالمًا قصصيًا يستبدله متى شاء بعالم آخر من الكتابة الصحفية. ولم يكن الانتقال بين القصة والمقالة عنده انتقالًا حادًا؛ إذ قد لا يجد القارئ فرقًا كبيرًا بين كثير من قصصه ومقالاته، فكلاهما ينتمي إلى سرد واحد، ويصدر عن رؤية واحدة، ويقوم على رفض القوالب الجاهزة.

كان السؤال اليومي الذي يعترض حياته يتحول عنده إلى مادة للكتابة، ثم لا يهم بعد ذلك: أهي قصة أم مقالة؟ المهم أن الفكرة وجدت طريقها إلى الورق.

ولعل ما يكشف جانبًا مهمًا من شخصية طملية الثقافية، تلك الإشارات الكثيرة إلى الأدب العالمي والعربي في كتاباته. فقد صحب دوستويفسكي في "الأبله"، وعاد إليه في "الأحمق"، وصحب تشيخوف في "رائحة الهايبكس"، وجمع دوستويفسكي وكافكا في نصوص أخرى، وصحب ماركيز في "شعور بالغيرة" و"الزقاق"، وألبير كامو وجوزف كونراد في "رجل لا يُشقّ له غبار"، كما حضر كامو وبدر شاكر السياب وبيكيت في "حالة"، وكافكا ورسول حمزاتوف في "الصهيل"، وكافكا وأيتماتوف في "جميلة"، وزوربا في "همبرغر ومعلّبات"، وبابلو نيرودا في "القمح".

ولم يتوقف الأمر عند الأدب العالمي، فقد استدعى طملية شخصيات من التراث العربي الأدبي والتاريخي، مثل لبيد بن ربيعة، وامرئ القيس، وخالد بن الوليد، وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وغيرهم.

لكن طملية لم يكن يستدعي هذه الأسماء ليقول للقارئ: انظروا كم قرأت! لم تكن ثقافته معرضًا للأسماء ولا استعراضًا للمعلومات، وإنما كانت تلك الإشارات تنسج نفسها في نسيج النص، وتصبح جزءًا من بنائه ودلالته. وهذا ما يميز الكاتب المثقف عن الكاتب الذي يحشد أسماء الكتب والمبدعين ليخفي فقرًا في تجربته.

ومن يقرأ طملية بتمعن، يلحظ أثر الأدب الروسي في تكوينه، ولا سيما دوستويفسكي وكافكا وتشيخوف وغوركي، وربما كان لانتمائه السياسي المبكر جانب في ذلك. لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن أسير ثقافة واحدة؛ فقد ظل التراث العربي حاضرًا في كتابته، يستدعي شخصياته وأحداثه ورموزه، وكأن المثقف، مهما اتسعت رحلته في ثقافات العالم، لا يستطيع أن يقطع الحبل الذي يربطه بجذوره.

وهنا تكمن أهمية طملية؛ فهو كاتب عربي يطل على العالم من موقعه الخاص، لا يقلد الآخرين، ولا يكررهم، وإنما يعيد تشكيل ما قرأه داخل تجربته، ويصنع منه مادة جديدة للسخرية والتأمل.

كان يكتب عن الإنسان وهو في أكثر حالاته هشاشة، لكنه لم يكن يمنحه دائمًا فرصة البكاء؛ كان يسخر منه، ومن نفسه، ومن الحياة، ومن الموت، وربما كان في هذه السخرية نوع من المقاومة. فالإنسان حين يعجز عن تغيير العالم قد يلجأ إلى السخرية منه، وحين يصبح الألم أكبر من الاحتمال، تتحول السخرية إلى طريقة أخرى للنجاة.

لذلك ظل محمد طملية حاضرًا بعد رحيله؛ ليس لأنه كتب كثيرًا، وإنما لأنه كتب بصوته الخاص. والكاتب الذي يجد صوته لا يحتاج إلى أن يرفع صوته؛ يكفي أن يترك نصه يتكلم.

رحل محمد طملية، وبقيت كتاباته. وبقيت تلك النبرة التي لا تخطئها الأذن، وذلك الحزن الذي يتخفى في ثوب السخرية، وذلك الكاتب الذي كان يعرف أن الحياة ليست دائمًا قابلة للضحك، لكنه كان يعرف أيضًا أن السخرية، أحيانًا، هي الطريقة الوحيدة لكي نحتملها.

إليك، بطبيعة الحال، يا محمد طملية؛ رحلتَ، وبقيتَ في الكتابة.

مدار الساعة ـ