أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن وفن صناعة الحضور والتأثير


خالد دلال

الأردن وفن صناعة الحضور والتأثير

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في عالم السياسة، ثمة أشياء لا تُقاس لحظيا، لكنها الأهم في علاقات الدول بعضها ببعض. إنها الثقة التي تتراكم مع تقادم الزمن، والسمعة التي تبنيها المواقف، والعلاقات التي تمنح الدولة القدرة على التأثير خدمة لمصالحها في حسابات الآخرين.

ومن هذه الزاوية تحديدا، تشكل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين أكثر من حدث دبلوماسي. فهي ليست بداية، بل امتداد لمسار طويل لشراكة أردنية صينية على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، مبنية على الثقة المتبادلة، التي نجح جلالته في نسج خيوطها عبر السنين.

فقد هيأت الزيارة مسارات متعددة للتعاون أمام الأردن اقتصاديا واستثماريا وتكنولوجيا وصناعيا وسياحيا وتعليميا وغير ذلك. وهذا ما منحها التعددية بمعناها الأوسع، فالعلاقات الأمثل بين الدول تُبنى حول شبكة من المصالح التي تتقاطع، وتصبح مع الوقت نسيجا متكاملا لشراكة حقيقية تحصد الشعوب نتائجها.

أحد أهم مخرجات الزيارة الملكية أنها تؤكد طبيعة الفكر السياسي الأردني المتوازن في إدارة العلاقات الدولية. فالتعاون مع الصين لا يأتي على حساب الشراكات الإستراتيجية الراسخة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من دول العالم، بل يضيف بعدا حيويا في مجال تعدد الخيارات، خصوصا الاقتصادية، ليصل الأردن إلى بناء شراكات متنوعة تخدم مصالحه في عالم متغير ومتعدد الأقطاب، عبر إتاحة الوصول إلى أسواق وخبرات وفرص مختلفة وجديدة، لتصبح الخيارات بحد ذاتها قوة دبلوماسية إستراتيجية للدولة.

والصين، بما تمثله من مارد اقتصادي وصناعي وتكنولوجي، تقدم محيطا واسعا من الإمكانات والخبرات للتعاون في قطاعات شتى، لتتطور بطبيعة الحال بوصلة النهج الاقتصادي الأردني تباعا من: ماذا يمكننا أن نستورد ونصدر إلى الصين، إلى ماذا يمكننا أن ننتج معا؟

ولعل في هذا السؤال يكمن أحد أهم المفاتيح لفهم قيمة العلاقة مع الصين التي تؤمن ثقافتها السياسية بعدم بناء الشراكات الكبرى على لحظة واحدة، بل على استمرارية الثقة لما سيخدم مصالحها مستقبلا. ومن هذه الزاوية أيضا، فإن القيمة الأردنية للصين لا تختصرها ما تصدره بكين إلى عمان أو العكس، فالأردن يقع في قلب المعادلة الجيوسياسية التي تربط قارات ثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويمكن لموقعه واستقراره الفريد وشبكة علاقاته المتوازنة أن تجعل منه مركزا للممرات التجارية وحركة الاستثمار العالمية، ومقرا لشبكة إقليمية للإنتاج والتجارة والخدمات، في منطقة تتقاطع فيها عوامل الأمن والسياسة والاقتصاد.

وهنا تحديدا تتجلى قيمة الدبلوماسية الملكية، والتي لا تكتفي بالوصول إلى مراكز صنع القرار العالمي، بل في بناء مستوى من الثقة يجعل للمصالح المشتركة قابلية للنمو في استثمارات ومشروعات وشراكات مستمرة.

فالحضور السياسي الحقيقي يبدأ حين تنجح الدولة في بناء صورة تجعل الآخرين يرون فيها شريكا موثوقا يتمتع بالمصداقية التي تستطيع الدولة استثمارها لتوسعة دوائر الفرص عندما تتعاظم التحديات.

وهذا هو فن صناعة الحضور والتأثير القادر على ترجمة الدبلوماسية إلى فضاء مولد للفرص، وهو ما نجحت به الجهود الملكية في بكين، لتقع المسؤولية بعد ذلك على عاتق الحكومة لاستثمار النجاح الملكي فرصا حقيقية لشعبنا.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ