مدار الساعة - محمد الطراونة (الجزيرة نت) - اعتاد الشاب الأردني عمر المناصير، من منطقة البيادر في العاصمة عمّان، أن يبدأ صباحه بالاستماع إلى البرامج الإذاعية المحلية، متنقلا بين الأخبار والبرامج الصباحية والأغاني، لكن هذا الروتين بات يصطدم أحيانا بتداخل مفاجئ في البث؛ فبين حديث مذيع وأغنية وطنية أردنية، تختفي الإشارة ليحل مكانها صوت إذاعة إسرائيلية وكلمات عبرية غير مفهومة.
ويصف المناصير للجزيرة نت المشهد بأنه بات لافتا ومزعجا، خصوصا عندما يكون مستمعا إلى محطة أردنية ثم يتغير البث فجأة من دون أن يغيّر التردد، فتتحول الأغاني الوطنية والبرامج التي يتابعها إلى "صراخ عبري غير مفهوم"، قبل أن تعود الإذاعة الأردنية مجددا، أو يستمر التداخل بحسب المنطقة التي يمر بها.وتجربة المناصير ليست، وفق إعلاميين أردنيين، حالة فردية، إذ لم يعد التقاط بث الإذاعات الإسرائيلية داخل الأردن ظاهرة تقتصر على المناطق الحدودية والمرتفعات المحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، بل امتد التداخل إلى أحياء وشوارع في قلب العاصمة عمّان، حيث تختفي أحيانا إشارات محطات محلية لتحل محلها إذاعات عبرية.وبين شكاوى مستمعين وعاملين في القطاع من تأثير الظاهرة في حضور الإعلام المحلي، وتفسيرات فنية تربطها بقوة الإرسال والتضاريس وتوزيع الترددات، تتجدد المطالب بإيجاد حلول تضمن استقرار البث الأردني ووصول الإذاعات المحلية إلى مستمعيها من دون تشويش أو انقطاع.
تداخل البثيقول الإعلامي الأردني ومقدم البرامج الإذاعية عمار مدالله إن تداخل بث الإذاعات العبرية مع ترددات الإذاعات الأردنية بات يسبب حرجا للإعلاميين أمام المستمعين، خصوصا مع ورود ملاحظات من مناطق داخل العاصمة، من بينها صويلح وشارع الجامعة الأردنية وشارع الحرية.وبحسب مدالله للجزيرة نت، يفقد مستمعون في تلك المناطق إشارة بعض المحطات الأردنية، ليظهر مكانها بث إذاعات أجنبية وعبرية، معتبرا أن قوة بث الإذاعات الإسرائيلية وتداخلها مع الترددات المحلية يؤثران في قدرة الإذاعات الأردنية على الوصول إلى جمهورها.ويؤكد أن المسألة لا تتعلق بجودة الاستماع فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى قدرة وسائل الإعلام الوطنية على إيصال رسالتها ومحتواها إلى الجمهور، معربا عن أمله في تعزيز قوة البث والتغطية للإذاعات المحلية، بما يضمن استقرار الإشارة ووصول المحتوى الإعلامي الأردني إلى المستمعين من دون انقطاع أو تداخل.من الحدود إلى العاصمةويتفق الإعلامي الأردني أسامة الجيتاوي مع اتساع نطاق المشكلة، موضحا أن تداخل الإذاعات الإسرائيلية كان في السابق محدودا بمحافظات معينة أو مناطق جبلية مرتفعة ومحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، قبل أن يصل اليوم إلى مناطق داخل العاصمة عمّان.ويقول الجيتاوي، للجزيرة نت، إن وصول التداخل إلى العاصمة يؤثر سلبا في الإذاعات الأردنية وجودة بثها واستمراريته، مشيرا إلى أن المشكلة ليست جديدة، بل تمتد لسنوات طويلة، وأن إذاعات أردنية خاطبت الجهات المعنية بشأنها مرارا.ويرى الجيتاوي أن قوة إرسال المحطات الإسرائيلية واتساع نطاق تغطيتها الجغرافية يؤديان إلى وصول بثها إلى الأراضي الأردنية والتأثير في بث عدد من الإذاعات المحلية، بما في ذلك محطات تبث داخل العاصمة.وبحسب الجيتاوي، طالبت إذاعات أردنية بالسماح لها بتقوية قدرتها على البث لمواجهة مشكلة التداخل، إلا أن زيادة قدرة الإرسال في الأردن تحتاج إلى تراخيص وموافقات، كما تترتب عليها كلف مالية.ويشير إلى أن هذه الكلف تشكل تحديا لبعض المحطات المحلية التي قد لا تكون قادرة على تحمل الأعباء المالية المترتبة على زيادة قدرة إرسالها، بهدف توسيع نطاق تغطيتها ومواجهة التداخل القادم من الجانب الآخر.مطالب نيابية بالتحركووصلت القضية إلى المستوى النيابي، إذ طالب النائب صالح العرموطي الحكومة باتخاذ إجراءات لوضع حد لظاهرة تداخل بث الإذاعات الإسرائيلية مع ترددات الإذاعات الأردنية، متسائلاً عن وجود خطة حكومية لمعالجة المشكلة وإمكانية السماح للإذاعات المحلية بزيادة قوة بثها بما يضمن وصولها إلى مختلف مناطق المملكة.وقال العرموطي، للجزيرة نت، إن بث الإذاعات الإسرائيلية بات يصل إلى مناطق واسعة في العاصمة عمّان، معتبرا أن ذلك يمثل تعديا على حقوق البث للإذاعات الأردنية.كما أثار العرموطي مسألة ضعف تغطية بعض المحطات المحلية، متسائلا عن أسباب انقطاع أو ضعف بث عدد من الإذاعات الأردنية، الحكومية والخاصة، وعدم وصول بعضها إلى مناطق الأغوار، إلى جانب اختفاء بث بعض الإذاعات الحكومية في مناطق من شمال المملكة وجنوبها.وطالب الحكومة بتوضيح أسباب ذلك والإجراءات المزمع اتخاذها لمعالجة مشكلة ضعف التغطية والتداخل مع المحطات الخارجية.لماذا يحدث التداخل؟في المقابل، يقدم مصدر في هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الأردنية تفسيرا فنيا للمشكلة، موضحا أن تداخل بث الإذاعات المحلية مع إذاعات دول الجوار يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها قوة الإرسال ومواقع أبراج البث والطبيعة الجغرافية للمناطق، إلى جانب استخدام محطات في دول مجاورة للترددات نفسها أو ترددات متقاربة.ويقول المصدر الذي تحفظ على الكشف عن اسمه للجزيرة نت، إن بعض المحطات الخارجية تبث بقدرات أعلى في مناطق معينة، ما قد يؤدي إلى تداخل سلبي مع الترددات المرخصة للإذاعات الأردنية، خصوصا في المناطق الحدودية والأغوار.ويضيف أن التضاريس الجبلية وكثافة الأبنية والمسافة التي تفصل المستمع عن محطة الإرسال تؤثر أيضا في جودة تغطية بعض الإذاعات المحلية، ما يجعل المشكلة مرتبطة بعدة عوامل متداخلة، ولا يمكن اختزالها في قوة الإرسال وحدها.ويشير المصدر إلى أن الهيئة تراقب الطيف الترددي وتجري قياسات ومسوحا فنية بصورة مستمرة، كما تتحقق قبل منح أي تردد من ملاءمته فنيا، وتراقب التزام الإذاعات المحلية بقدرة الإرسال المحددة في تراخيصها.وعند رصد تداخل قادم من دولة مجاورة، تجري الهيئة، وفق المصدر، القياسات اللازمة، ثم تخاطب الجهة المنظمة للطيف الترددي في تلك الدولة وتنسق معها لإبقاء الإشارات ضمن الحدود المسموح بها دوليا.ويلفت المصدر إلى أن انتشار موجات الراديو عبر الحدود أمر طبيعي ضمن حدود معينة، ولا يمكن منع وصولها بصورة كاملة عندما تتوافر الظروف الجغرافية والفنية الملائمة لانتشارها.هل زيادة قوة البث هي الحل؟وبينما يطالب إعلاميون بالسماح للمحطات المحلية بتعزيز قدراتها على الإرسال، يقول المصدر في هيئة تنظيم قطاع الاتصالات إن معالجة المشكلة لا تقوم على زيادة قوة البث وحدها.ويوضح أن تحسين مواقع أبراج الإرسال واختيار المناطق المرتفعة ورفع كفاءة شبكات البث ضمن الحدود القانونية يمكن أن يسهم في تحسين تغطية الإذاعات الأردنية والحد من آثار التداخل.أما زيادة قدرة الإرسال فتحتاج، بحسب المصدر، إلى مراعاة المحددات الفنية والتراخيص والتنسيق الترددي، حتى لا تتسبب بدورها في حدوث تشويش على محطات أخرى.ويؤكد أن الحل يتطلب إدارة متكاملة للترددات تشمل اختيار المواقع المناسبة للأبراج، وإجراء القياسات الفنية بصورة مستمرة، والتنسيق مع دول الجوار عند تسجيل أي تجاوز أو تداخل.وبين التفسير الفني وشكاوى العاملين في القطاع، تبرز مشكلة تداخل البث بوصفها تحديا يتجاوز جودة الصوت على جهاز الراديو، بالنسبة إلى إعلاميين يرون في استقرار تردداتهم جزءا من قدرتهم على الوصول إلى الجمهور والحفاظ على حضور الإعلام المحلي.









