أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جعفر حسان.. حين يصبح الميدان مصنعاً للقرار


محمد علي الزعبي

جعفر حسان.. حين يصبح الميدان مصنعاً للقرار

مدار الساعة ـ

في الإدارة العامة، لا تُقاس قيمة المسؤول بعدد الزيارات التي يقوم بها، بل بما يتغير بعد مغادرته للمكان، ومن هنا تبدو زيارات رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان للمحافظات مختلفة في جوهرها؛ فهي ليست جولات بروتوكولية ولا مشاهد إعلامية عابرة، وإنما مختبر حقيقي لصناعة القرار، فقد شملت جولاته الميدانية 130 موقعاً في مختلف محافظات المملكة، وأسفرت عن 308 إجراءات في قطاعات الصحة والتعليم والشباب والخدمات المحلية والإنتاج والسياحة، أُنجز منها 195 إجراءً، فيما يجري استكمال البقية، وهذه الأرقام لا تعكس حجم الحركة فقط، بل تكشف فلسفة إدارية عنوانها: أن ترى المشكلة في مكانها، وتسمع الناس، ثم تصنع القرار على الأرض.

وفي زيارته الأخيرة إلى البادية الشمالية والمفرق، ظهر هذا النهج بصورة أكثر وضوحاً؛ فالإيعاز بتطوير المرافق الرياضية في جامعة آل البيت وربطها بالحديقة الجديدة المقامة على مساحة 200 دونم، ليس قراراً يتعلق بمنشأة رياضية فحسب، بل استثمار في الشباب والمجتمع المحلي، وتحويل البنية التحتية إلى مساحة مفتوحة للرياضة والحياة الاجتماعية، وكذلك في القطاع الصحي، حيث طالت التدخلات الحكومية 21 مركزاً صحياً و13 مستشفى يستفيد من خدماتها أكثر من 5.5 مليون مواطن سنوياً، إلى جانب مشاريع التوسعة والتحديث، ومن بينها توسعة مستشفى الأمير فيصل بكلفة 9 ملايين دينار. هنا يصبح القرار الخدمي أكثر من مبنى جديد أو غرفة إضافية؛ إنه مسافة أقل أمام المريض، وخدمة أقرب إلى المواطن، وفرصة أكبر للحصول على رعاية صحية لائقة في مكانه.

ما يفعله جعفر حسان في الميدان هو إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والمحافظات، فالمحافظة ليست رقماً في الموازنة، واللواء ليس هامشاً على الخريطة، والمركز الصحي أو المدرسة أو المنشأة الشبابية ليست مجرد بنية إسمنتية؛ إنها تفاصيل يومية في حياة الناس،، ولذلك فإن قيمة القرار لا تكمن في صدوره، وإنما في أثره المباشر: مدرسة أفضل، مركز صحي أكثر جاهزية، منشأة رياضية تستوعب الشباب، وخدمة تصل إلى المواطن حيث يعيش، هذه هي التنمية عندما تتحول من خطاب إلى أثر.

والأهم أن هذا النهج يضع معياراً مختلفاً للعمل الحكومي، الميدان ليس محطة لعرض الإنجاز، بل نقطة انطلاق لصناعة الإنجاز، فالمسؤول الذي يرى الواقع بعينه يملك فرصة أكبر لاتخاذ قرار دقيق، والمسؤول الذي يسمع المواطن مباشرة يكتشف ما لا تقوله التقارير. لذلك فإن زيارات جعفر حسان تحمل معنى إدارياً وسياسياً أبعد من الجغرافيا؛ فهي محاولة لجعل الميدان جزءاً من صناعة القرار الحكومي، وجعل المواطن شريكاً في تحديد الأولويات.

وفي تقديري، هنا تكمن قوة التجربة، أن يغادر رئيس الوزراء الموقع، فلا يبقى المكان كما كان، قد يبقى الطريق طويلاً أمام التنفيذ، وقد تتعدد الملفات والتحديات، لكن الفارق الحقيقي يبدأ عندما تتحول الزيارة إلى توجيه، والتوجيه إلى إجراء، والإجراء إلى مشروع، والمشروع إلى خدمة يشعر بها المواطن، عندها فقط يصبح المسؤول حاضراً في الميدان حتى بعد مغادرته، وتصبح الحكومة موجودة في حياة الناس لا في بياناتها فقط.

جعفر حسان لا يذهب إلى المحافظات ليُرى؛ بل ليَرى، وحين يرى، يقرر. وحين يقرر، يبدأ الاختبار الحقيقي: أن يصل القرار إلى الناس.

مدار الساعة ـ