أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
مدار الساعة ـ

هناك فرق كبير بين الدولة القوية وبين الدولة التي تقوم بكل شيء. وأنا أؤمن أن التجربة الأردنية قادرة على تقديم نموذجها الخاص: دولة قوية بمؤسساتها، راسخة بقانونها، حاضرة في حماية المجتمع، وفي الوقت نفسه تفتح المجال واسعاً أمام المواطن والقطاع الخاص ليبادرا ويستثمرا ويصنعا النمو.

الأردن لا يبدأ من الصفر. لدينا دولة مستقرة، مؤسسات راسخة، قطاع مصرفي متين، كفاءات بشرية عالية، علاقات دولية واسعة، وموقع سياسي واقتصادي يمنح المملكة مساحة للحركة أكبر بكثير من حجمها الجغرافي. التحدي اليوم هو كيف نحول هذه المزايا إلى قوة اقتصادية أكبر.

أنا مع اقتصاد يعطي الإنسان مساحة أوسع للمبادرة. مع الأردني الذي يؤسس شركة بدلاً من أن ينتظر وظيفة. مع المستثمر الذي يرى في المملكة مكاناً آمناً لرأس ماله. مع القطاع الخاص الذي يخلق الوظائف ويصدر الخدمات والمنتجات. ومع حكومة تضع القواعد وتحمي المنافسة وتضمن العدالة وتراقب الأسواق، لكنها تترك مساحة كافية للاقتصاد كي يتحرك وينمو.

فالدولة الحديثة ليست تاجراً أكبر من التجار، ولا مستثمراً أكبر من المستثمرين. قوتها الحقيقية أنها الحكم الذي يضمن نزاهة الملعب، ويحمي الملكية والعقود، ويمنع الاحتكار، ويضمن أن الفرصة متاحة لمن يملك الفكرة والكفاءة والقدرة على المنافسة.

وهنا يجب أن نتحدث بثقة عن الربح والثروة والاستثمار.

لا توجد مشكلة في أن ينجح الأردني وأن يصبح ثرياً نتيجة عمله واستثماره وابتكاره. بل علينا أن نفتخر بمن يبني شركة ويوظف مئة أو ألف أردني، وبمن يصدر منتجاً أردنياً، وبمن يجلب رأس المال إلى المملكة، وبالشاب الذي يحول فكرة صغيرة إلى مشروع كبير.

الثروة التي يولدها العمل ليست خصماً من المجتمع؛ إنها إضافة إليه.

وفي المقابل، تبقى للدولة مسؤوليتها الاجتماعية الأساسية. اقتصاد السوق لا يعني أن نترك الضعيف وحيداً، بل أن تصبح الحماية الاجتماعية أكثر قدرة على الوصول إليه. وكلما نما الاقتصاد واتسعت الشركات وازدادت الاستثمارات، ازدادت قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة والنقل والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.

وهذه المعادلة مهمة جداً للأردن: اقتصاد أكثر حرية لا يعني دولة أقل قوة؛ بل يحتاج إلى دولة أكثر قوة في المكان الصحيح.

قوة في القانون، قوة في القضاء، قوة في الرقابة، قوة في حماية المنافسة، وقوة في مواجهة الاحتكار والفساد. وفي المقابل، مرونة وسرعة في الاستثمار والترخيص وتأسيس الأعمال واتخاذ القرار الاقتصادي.

الأردن يستطيع أن يكون مركزاً إقليمياً للأعمال والخدمات القانونية والمالية والتكنولوجية والتعليمية والطبية والنقل والطاقة. رأس مالنا الحقيقي ليس ما تحت الأرض فقط، بل ما يحمله الأردني في عقله، وما راكمته المملكة من استقرار وثقة وعلاقات على مدى عقود.

والاستثمار اليوم لا يبحث فقط عن الإعفاء الضريبي. يبحث عن دولة مستقرة، وقانون واضح، وقضاء موثوق، وإدارة حديثة، وكفاءات بشرية، وقرار يمكن توقعه. وهذه عناصر يملك الأردن قاعدة قوية للبناء عليها.

ولهذا أرى أن المرحلة الاقتصادية المقبلة يجب أن تقوم على معادلة بسيطة: الدولة تقود الاتجاه، والقطاع الخاص يقود النمو، والمواطن يجني ثماره.

نريد شركات أردنية أكبر، واستثمارات أكثر، وصادرات أوسع، ورواد أعمال أكثر جرأة، وطبقة وسطى أقوى، واقتصاداً يستطيع أن يصنع فرصه بنفسه.

الأردن لا يحتاج أن يختار بين الدولة والسوق، ولا بين العدالة والنمو، ولا بين حماية المجتمع وتشجيع رأس المال. يستطيع أن يجمع بينها جميعاً.

فالدولة الأردنية القوية ليست التي تقف في وجه رأس المال، ولا التي تقف إلى جانبه على حساب المواطن؛ بل التي تقف فوق الجميع بالقانون، ثم تقول لكل أردني يملك فكرة أو مشروعاً أو طموحاً: ابدأ، استثمر، نافس، انجح وكبّر مشروعك فنجاحك جزء من قوة الأردن.

مدار الساعة ـ