أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدود حرية التعبير وحظر ازدراء الأديان وفقا للتشريع الأردني


الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات

حدود حرية التعبير وحظر ازدراء الأديان وفقا للتشريع الأردني

مدار الساعة ـ

إن حماية العقائد الدينية و احترام الأنبياء والمرسلين لا تشكل مجرد التزام أخلاقي ، بل هي ركيزة دستورية وقانونية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام العام والأمن المجتمعي.

هذه الحماية تستمد شرعيتها ابتداءً من الدستور الأردني، الذي نص في مادته الثانية على أن "الإسلام دين الدولة"، وفي مادته الرابعة عشرة على كفالة الدولة لحرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية، ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب.
وانعكاساً لهذه المبادئ، أفرد المشرع الأردني نصوصاً حازمة في قانون العقوبات لتجريم أي سلوك ينص على ازدراء للأديان أو تطاول على مقام النبوة، موازناً بذلك بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، ومنع خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي من جهة أخرى.
المرتكزات التشريعية للتجريم في قانون العقوبات لم يترك المشرع الأردني الأفعال التي تمس بالرموز الدينية أو تتطاول على الأنبياء والرسل دون رادع عقابي، بل جرمها صراحة تحت باب الجرائم التي تمس الدين في قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، وذلك عبر نصين رئيسيين: أولاً: جرم إطالة اللسان على مقام النبوة (المادة 273)تعتبر المادة (273) النص الأكثر صرامة ومباشرة في حماية مقام النبوة، حيث تنص على عقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات لكل من ثبتت جرأته على إطالة اللسان علناً على أرباب الشرائع من الأنبياء.
ويمتاز هذا النص بخصوصية قانونية تتمثل في شموله لجميع الأنبياء والرسل دون تمييز ("أرباب الشرائع")، وهو ما يتوافق مع الفلسفة التشريعية الأردنية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية التي توجب الإيمان بجميع الرسل.
كما اشترط النص لقيام هذه الجريمة عنصر "العلانية"، مما يعني شمول الأفعال المرتكبة بالقول، أو الكتابة، أو الرسم، أو عبر وسائل النشر والتواصل الحديثة ما دامت قد خرجت لحيز الكتمان واطلع عليها الغير.
ثانياً: جرم إهانة الشعور والمعتقد الديني (المادة 278)توسعت الحماية القانونية لتشمل العواطف الدينية للمواطنين بشكل عام، حيث جرمت المادة (278) كل من نشر قولاً أو فعلاً، أو طبع أو نشر مادة مكتوبة، أو صوراً أو رموزاً من شأنها أن تؤدي إلى إهانة الشعور الديني لدى أشخاص آخرين أو إهانة معتقدهم الديني. وقد اتجهت نية المشرع الأردني في التعديلات المتعاقبة إلى تغليظ هذه العقوبة لتبدأ من الحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد على سنتين، بالإضافة إلى الغرامة المالية، مما يعكس الرغبة التشريعية في فرض ردع عام صارم ضد الممارسات التي قد تثير الفتن الطائفية أو الدينية في المجتمع.الامتداد الرقمي للحماية القانونيةمع التحول نحو الفضاء الرقمي، لم تعد هذه الإساءات محصورة بالوسائل التقليدية، بل انتقل الجزء الأكبر منها إلى منصات التواصل الاجتماعي.
ومن الناحية التطبيقية، تتكامل أحكام قانون العقوبات السالفة الذكر مع أحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني؛ حيث استقرت أحكام القضاء الأردني على تطبيق العقوبات المغلظة الواردة في قانون العقوبات بحق كل من يستغل الشبكة المعلوماتية لبث خطابات الكراهية، أو إثارة الفتنة، أو تحقير الأديان والأنبياء، مما يمنح النيابة العامة والقضاء الأدوات الإجرائية الكافية لملاحقة هذه الجرائم وضبط مرتكبيها.

الخلاصة تثبت القراءة المتأنية للنصوص الجزائية الأردنية أن تجريم الإساءة للأديان والأنبياء لا يمثل قيداً على حرية التعبير بمفهومها الحقوقي، وإنما هو ضبط قانوني تفرضه مقتضيات حماية السلم الأهلي. فالقانون الأردني يفرق بوضوح بين النقد العلمي أو الفكري المباح، وبين الإساءة والتحقير الموجهين ضد المقامات الدينية، واضعاً استقرار المجتمع واحترام عقائد الأفراد فوق أي اعتبار آخر.

مدار الساعة ـ