مدار الساعة -في كل عام، حين يهلّ ربيع الأول، يحدث في الوجدان الإسلامي حنين غريب للنبي صلى الله عليه وسلم، فتمتلئ المجالس بالإنشاد، وتُستعاد أبيات يحفظها الناس من غير أن يعرفوا دائماً قائليها، وتنتشر قصائد قديمة تجد من يقرؤها كأنها قيلت هذا الصباح.
ذكرى المولد النبوي مناسبة عظيمة تستحضر الرحمة المهداة قبل كل شيء؛ تتحرّك فيها المشاعر، ويثب الوجدان إجلالاً وحباً للنبي صلى الله عليه وسلم، مستعيداً غرضاً شعرياً فريداً لم ينقطع منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، وحمل في التصنيفات الأدبية اسم «المديح النبوي».بدأ هذا الفن في صدر الإسلام بقصائد كعب بن زهير وحسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، ثم اتسع وتنوّعت وظائفه وصوره على ألسنة البوصيري والبرعي والبارودي وشوقي وغيرهم، حتى بلغ الشعر الإماراتي المعاصر، وتجدد في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «المسكية في مدح خير البرية»، حلقةً حديثة في سلسلة شعرية ممتدة، ظلّ فيها الممدوح واحداً، فيما عبّر كل عصر عن محبته بلغته ووجدانه.بداية تاريخ هذا الغرض الشعري كانت قبل الهجرة، بأبيات أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، التي منها:وأبيض يستقي الغمام بوجههربيع اليتامي عصمة للأراملثم تنافس الشعراء بعدها من المسجد النبوي نفسه وبحضوره صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته، لينتقل مع مرور الأزمان إلى مصر والعراق والأندلس والمغرب واليمن وكل بلاد الإسلام، حتى يصل إلى الشعر الإماراتي المعاصر. وفي هذا الغرض من التنوّع ما يجعله أشبه بمرآة تعكس شجون كل عصر ومفرداته.بانت سعادسنة تسع للهجرة، كان كعب بن زهير بن أبي سُلمى — ابن أحد أصحاب المعلّقات — قد هجا النبي صلى الله عليه وسلم وهجا المسلمين معه، فأهدر النبي دمه. وكتب إليه أخوه بُجَير، وكان قد أسلم، يحذّره ويدلّه على المخرج الوحيد المتاح؛ أن يأتي بنفسه تائباً، فإن النبي لا يقتل من جاءه معتذراً.فجاء كعب متلثّماً حتى جلس بين يديه في المسجد، ووضع يده في يده، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله. ثم أنشد القصيدة لم تبدأ بمدح، ولا بتوبة، ولا باعتذار. بل سلك منهج من سبقه من شعراء العرب:بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُمتيَّمٌ إثرَها لم يُفدَ مكبولُثم يمضي في وصف رحلته وناقته وصفاً طويلاً بارعاً، كما تفعل كل قصيدة عربية جاهلية، حتى إذا استوفى النهج القديم كله خلص إلى بيته الذي بُني عليه كل ما جاء بعده:إنّ الرسولَ لَنورٌ يُستضاءُ بهمُهنَّدٌ من سيوفِ اللهِ مَسلولُومن هذا البيت، ستتفرّع صور المديح النبوي كلها بعد ذلك: النور والسيف، الرحمة والقوة، الهداية والنصر.وتقول الرواية المشهورة إن النبي صلى الله عليه وسلم خلع بردته على كعب حين فرغ. والرواية موضع نظر عند المحققين، لكن أثرها في تاريخ هذا الفن أهم من ثبوتها؛ فقد رسّخت في الوجدان فكرة أن مدح النبي يُكافأ، وأن بين المادح والممدوح صلة تتجاوز الشعر.شاعر له منبرفي المدينة نفسها كان شاعر آخر يمارس المديح من موقع مختلف كلياً. الصحابي الجليل حسّان بن ثابت الأنصاري لم يكن يعتذر ولا يستعطف. كان يدافع؛ وُضع له منبر في المسجد يقوم عليه يردّ عن رسول الله ما يقوله شعراء قريش، وقال له النبي: "اهجهم وروح القدس معك". فكان شعره في النبي منافحةً ومباهاةً.وأجود ما فيه بيت يقوم على ملاحظة واحدة دقيقة:وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمِهإذا قال في الخمسِ المؤذّنُ أشهدُلاحظ حسّان أن الشهادتين تقرنان الاسمين خمس مرات كل يوم، ورأى أن هذا القِران وحده أبلغ من أي مبالغة يستطيعها شاعر.وهنا تظهر خصيصة ستلازم هذا الفن في أطواره كلها. الشاعر الذي يمدح ملكاً يستطيع أن يبالغ. أما الذي يمدح النبي فيصطدم بجدار؛ المبالغة مستحيلة أصلاً، لأن الممدوح فوق ما يقال فيه. فيلجأ الشاعر إلى الإشارة والتلميح والاستدلال بما هو حاصل.وثمة بيت لا تخلو منه مناسبة مولد، ويُنسب إلى حسّان في كل مكان:وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عينيوأجملُ منك لم تلدِ النساءُومن الشعراء كذلك عبد الله بن رواحة، الشاعر الذي استُشهد في مؤتة، وله بيت يختصر حجّة كاملة في شطرين:لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنةٌكانت بديهتُه تُنبيك بالخبرِأي أن الدليل على النبوة كان حاضراً في حضور صاحبها، وأن من رآه استغنى بالرؤية عن البرهان.وفي هامش هذا الطور حكاية تكشف كم كان الشعر خطيراً في تلك اللحظة؛ حيث يروى أن الأعشى، أحد كبار شعراء الجاهلية، خرج قاصداً النبي بقصيدة مدح، فاعترضته قريش في الطريق وأغرته بمئة ناقة على أن يؤجّل رحلته عاماً واحداً. فقبل، ورجع، ومات قبل أن يعود. بقيت قصيدته في كتب الأدب شاهداً على مديح لم يصل صاحبه — ودليلاً على أن قريشاً كانت تعرف تماماً ماذا يفعل الشعر حين يقوله شاعر بهذا الحجم.البردةفي القرن السابع الهجري، أصيب شاعر مصري يُدعى محمد بن سعيد البوصيري بالفالج، فشُلّ نصفه. وكان قد أفنى عمره في وظائف صغيرة وفي كتابة الشعر لمن يدفع، حتى أقعده المرض. وتقول الحكاية التي رواها هو نفسه إنه نظم في تلك الحال قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام فرأى النبي في المنام يمسح على شقّه المشلول ويلقي عليه بردته، فاستيقظ معافى.ولا يعنينا هنا التحقق من الرؤيا بقدر ما يعنينا ما فعلته بالشعر. فمن تلك اللحظة، تغيّرت وظيفة المديح النبوي تغيّراً كاملاً. لم يعد الشاعر يمدح ليعتذر كما فعل كعب، ولا ليدافع كما فعل حسّان، بل صار يمدح مستشفياً.القصيدة اسمها الأصلي «الكواكب الدرّية في مدح خير البرية»، لكن الناس أسموها البردة، تسميةً استعارتها من بردة كعب قبل ستة قرون، وكأنها إعلان صريح عن النسب. ومطلعها من أشهر مطالع العربية:أمِن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِمزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدمِيلاحظ هنا أن البوصيري استدعى القالب القديم عمداً، ثم كسره بعد أبيات ليخاطب نفسه ويوبّخها ويعترف بذنوبه. وهذا الانتقال من الغزل إلى محاسبة النفس هو ما جعل البردة قصيدة يستطيع كل قارئ أن يجد فيها نفسه. المادح ضعيف ومذنب ومريض، ويطلب. والقارئ كذلك.قصيدة مؤسسةما جرى للبردة بعد ذلك لا نظير له في تاريخ الشعر العربي كله. فقد شُرحت عشرات المرات، وخُمّست وسُبّعت وعُورضت بمئات القصائد. وكُتبت على جدران المساجد، وحُملت في القلوب والجيوب وألقيت على المرضى. وتُرجمت إلى الفارسية والتركية والأردية والسواحيلية والملايوية. وصار لها في المغرب وحضرموت وزنجبار وجاوة مجالس تُقرأ فيها بطرق أداء لكل إقليم فيها طريقته.وللبوصيري إلى جانب البردة قصيدة أخرى لا تقلّ شهرة، هي الهمزية، ومطلعها سؤال بلاغي بديع:كيف ترقى رُقيَّك الأنبياءُيا سماءً ما طاولَتْها سماءُوفيها يبلغ العجز عن المدح ذروته؛ حين يستهل الشاعر مدحه بسؤال عن الطريقة التي يبلغ بها المد ممدوحه.ميدان استعراضثم جاء طور ثالث، وفيه تحوّل المديح النبوي إلى شيء آخر تماماً. في القرن الثامن الهجري، نظم صفي الدين الحلّي قصيدة في مدح النبي التزم فيها أن يضمّن كل بيت نوعاً من أنواع البديع، وأن يسمّي ذلك النوع في البيت نفسه. أي أن البيت يكون جناساً ويقول إنه جناس، ويكون طباقاً ويقول إنه طباق. وسُمّي هذا النوع «البديعية»، وتبعه فيه عشرات الشعراء، منهم عزّ الدين الموصلي وابن جابر الأندلسي.في اليمن، برز عبد الرحيم بن أحمد البرعي اليماني، الفقيه والمتصوف الذي توفي سنة 803 للهجرة. انتسب إلى جبل بُرَع في تهامة، وغلب المديح النبوي على ديوانه حتى اقترن اسمه به، وطافت أشعاره مع التجار الحضارمة حتى بلغت جاوة وزنجبار بل وأقاصي غرب إفريقيا، حيث ينشد شعره في موريتانيا.لم يكن النبي في شعر البرعي موضوعاً للصنعة البلاغية بقدر ما كان موضع حب وشوق وملاذ روحي؛ لذلك جاءت قصائده سهلة العبارة، عذبة الإيقاع، قريبة من الحفظ والإنشاد. ومن أشهر قوله:يا راحلين إلى منى بقياديهيّجتمُ يوم الرحيل فؤاديسرتم وسار دليلكم يا وحشتيالشوق أطربني وصوت الحاديثم يحمّل الراحلين سلام عاشق لم تُكتب له الرحلة:لتبلّغوا المختار ألف تحيةمن عاشق متقطّع الأكبادقولوا له عبد الرحيم متيّمومفارق الأحباب والأولادوتكشف هذه الأبيات سر بقاء شعر البرعي؛ فهي لا تخاطب قارئاً منفرداً بقدر ما تدعو جماعة إلى إنشادها. وقد ساعدت بساطة لغته، وانتظام قوافيه، وحرارة شوقه إلى الحجاز، على انتقال مدائحه من صفحات الديوان إلى المجالس وحلق الذكر، فبقيت حاضرة على ألسنة المنشدين قروناً بعد وفاته.رسالة للعالمسيبقى الحال على ذلك قروناً، إلى أن تصطدم الأمة بالحداثة الأوروبية في القرن التاسع عشر، فيعود المديح النبوي إلى الظهور بوظيفة لم تخطر لكعب ولا للبوصيري؛ أن يكون دفاعاً عن الذات أمام عالم صار ينظر إلى النبي بعين أخرى.في أواخر القرن التاسع عشر، وجدت الأمة نفسها أمام سؤال جديد لم تعرفه من قبل؛ ماذا تقول عن نبيّها لعالمٍ صار يكتب عنه بلغة أخرى وبعين أخرى؟ في تلك اللحظة عاد المديح النبوي إلى الواجهة، محمولاً على أيدي شعراء الإحياء، وبوظيفة ثالثة لم تخطر لكعب ولا للبوصيري.كان محمود سامي البارودي منفياً في جزيرة سرنديب بعد الثورة العرابية، بعيداً عن مصر، حين نظم قصيدته «كشف الغُمّة في مدح سيد الأمة»، معارضاً بها بردة البوصيري في نحو 447 بيتاً. ولاحظ الفارق في الموقع؛ البوصيري كتب من فراش المرض، والبارودي كتب من المنفى السياسي. الأول يطلب شفاء الجسد، والثاني يطلب عزاء رجل غُرِّبَ عن بلاده.ثم جاء أحمد شوقي، وفعل بهذا الفن ما لم يفعله أحد قبله. ففي «نهج البردة»، عارض شوقي البوصيري معارضة صريحة، وبدأ كما بدأ سلفه، بالغزل:ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِأحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِغير أن ما فعله بعد ذلك كان جديداً، فقد أدخل إلى القصيدة النبوية ما لم يكن فيها؛ وهو الجدل الحضاري، إذا تناول العدل والحرية والشورى والعلم، وقارن بين ما جاء به النبي وما تفاخر به أوروبا في زمنه. المديح عنده أصبح ردّاً، وصار النبي حجّةً يحتجّ بها شاعر أمام حضارة تنظر إليه من عل.وفي همزيته "وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ"، فعل شوقي شيئاً آخر بالغ الأثر في كل ما تلاه؛ حيث كتب قصيدة موضوعها المولد نفسه، لا سيرة النبي عموماً. جعل من لحظة الميلاد مشهداً كونياً يشترك فيه الزمان والكائنات. وهذا المطلع بالذات هو الذي رسّخ في الذاكرة العربية الحديثة صورة المولد بوصفه مناسبة شعرية بامتياز. أغلب ما يُنشد اليوم في ليالي ربيع الأول يدور، من حيث لا يدري منشدوه، في فلك هذا البيت.وهكذا اكتمل التحوّل؛ من الاعتذار الفردي عند كعب، إلى التوسّل عند البوصيري، إلى الدفاع عنه عند شوقي. الممدوح واحد لم يتغيّر. المادح هو الذي تغيّر، لأن كل عصر مدح النبي بما كان ينقص أهله.المسكيةفي الإمارات، كان لهذا النهر الطويل مجرى خاص، في سياقه جاءت قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. الموسومة بـ «المسكية في مدح خير البرية»، ويقول سموه في مطلعها:أهدى إليّ الشعرُ ريّقَهفجعلتُ لي في الشعر بستاناًوغرستُ في مدح النبي شجاًوسقيتُه روحاً وريحاناًويمضي سموه إلى أن يقول:يا ربِّ أكرِمْ أمةً شرُفتْبمحمدٍ فضلاً وغفراناًوالملاحظ أن سموه نسج عنوان قصيدته على منوال البردة، أشهر قصيدة في تاريخ المديح النبوي، واسمها الأصلي «الكواكب الدرّية في مدح خير البرية». وإذا كان بين العنوانين ثمانية قرون تقريباً، ومسافة تفصل بين قاهرة القرن السابع الهجري ودبي القرن الحادي والعشرين. فإن الصلة بينهما معلنة في العنوان نفسه، وهي حب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.وقد قال أحد الباحثين الإماراتيين، وهو يقرأ القصيدة "المسكية"، إن صاحب السمو يسير «في هذا الظل الوارف الممدود بالخير العميم»، والعبارة دقيقة أكثر مما تبدو، ذلك أن الظل الوارف هنا دوحة شمائله صلى الله عليه وسلم.وعارض سالم بن علي العويس، وهو من شعراء النصف الأول من القرن الماضي، بردة البوصيري، وهي معارضة تنمّ عن شاعرية سلسة، يقول فيها:يا سالف الدهر بين الحل والحرمِلأنت أشهرُ من نارٍ على علمِما ضن والليل ساجٍ في غياهبهبفائقٍ من ضياء الصُّبح مزدحمِحتى تكشف للأبصار عن كثبعلمٌ يحيّر رأس العُرب والعجمكما عارضه عبدالرحمن بن حافظ، و"فتاة العرب" وخمّس القصيدة الشاعر عارف الشيخ.موعد سنويتظل ذكرى المولد النبوي موعداً عزيزاً لتحريك وجدان الشعراء، ذلك أن هذا الغرض، وحده تقريباً، لم ينقطع يوماً. فقد غاب المديح السياسي ثم عاد على استحياء، وتبدّلت أغراض الشعر العربي حتى مات بعضها، وظلّ المديح النبوي يُكتب في كل قرن دون استثناء، من المدينة إلى بغداد إلى القاهرة إلى غرناطة إلى صنعاء إلى شنقيط إلى زنجبار فدبي. أربعة عشر قرناً من الشعر المتصل، بلا انقطاع.ولأن هذا الغرض، على اتساعه، يقوم على عجز بيّن، يعترف فيه الشاعر أنه لن يبلغ ما يريد قوله، لكنه سيقول ما يستطيع. ومن هذا العجز بالذات وُلد أجمل ما فيه؛ بيت كعب الذي جمع النور والسيف، وسؤال البوصيري في همزيته، ومطلع شوقي الذي جعل الكائنات ضياء، وبستان الشعر الذي غرس فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، شجرةً في مدح النبي وسقاها روحاً وريحاناً.كلهم قالوا الشيء نفسه في النهاية؛ اللغة أضيق من الإحاطة بمدحه صلى الله عليه وسلم.. وقد مدحه ربه: "وإنك لعلى خلق عظيم".أربعة عشر قرناً في حبّ النبي
مدار الساعة ـ











