أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بيانات الضمان الاجتماعي تكشف مؤشرات مقلقة في سوق العمل… فأين فرص العمل المستهدفة؟


د. واصل المشاقبة

بيانات الضمان الاجتماعي تكشف مؤشرات مقلقة في سوق العمل… فأين فرص العمل المستهدفة؟

مدار الساعة ـ

تعرض آخر بيانات الضمان الاجتماعي المنشورة بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦ صورة مهمة لاتجاهات سوق العمل خلال الأشهر الماضية، وتكشف عن تحولات تستحق قراءة اقتصادية وفنية جادة، خصوصاً عندما توضع هذه الأرقام في مواجهة مستهدفات خلق فرص العمل المعلنة في رؤية التحديث الاقتصادي.

المسألة لا تتعلق برقم منفرد، بل باتجاه مجموعة من المؤشرات في الوقت نفسه. وهذا ما يجعل البيانات جديرة بالتوقف والتحليل، لا بالاكتفاء بتسجيلها.

الاشتراك الاختياري… تراجع يحتاج الى تفسير

بين ١٨ شباط و٢٤ آب ٢٠٢٦، انخفض عدد المشتركين اختيارياً في الضمان الاجتماعي من ١١٢٬٧٧٩ الى ٩٨٬٦٥١ مشتركاً، بتراجع يقارب ١٢.٥٪ خلال ستة أشهر، اي بنحو ١٤٬١٢٨ مشتركاً. هذا انخفاض كبير خلال فترة زمنية قصيرة ويستحق تفسيراً واضحاً. ولا يمكن الجزم من هذا المؤشر وحده بأن التراجع يعكس انخفاض الثقة بالنظام التأميني، اذ يمكن ان تتداخل معه عوامل اقتصادية وتشريعية وسلوكية متعددة. لكن الاتجاه نفسه يظل مهما، خصوصاً اذا كان متزامناً مع تعديلات تشريعية او توقعات بتغيير قواعد الاشتراك والمنافع.

والسؤال هنا ليس فقط: لماذا انخفض العدد؟ بل أيضاً: ما العوامل التي دفعت اكثر من ١٤ ألف مشترك الى الخروج من الاشتراك الاختياري خلال ستة أشهر؟

قاعدة المشتركين… الاتجاه لا ينسجم مع مستهدفات التوسع

انخفض اجمالي عدد المشتركين من ١٬٦٤٦٬٣٧٤ إلى ١٬٦٣٥٬٦٥٢ مشتركاً، أي بانخفاض قدره ١٠٬٧٢٢ مشتركاً، وبنسبة تقارب ٠.٧٪ خلال الفترة نفسها. هذه النتيجة تستحق التوقف، لأنها تعني ان قاعدة المشتركين لم تتوسع خلال هذه الفترة، بل انكمشت. صحيح ان بيانات الضمان لا تمثل جميع العاملين في الاقتصاد، ولا يمكن مساواتها بشكل كامل بإجمالي فرص العمل التي يخلقها الاقتصاد الوطني، لكن هذا التحفظ لا يلغي اهمية المؤشر في تقييم مستهدفات خلق الوظائف الرسمية.

فإذا كانت رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف خلق نحو ١٠٠ ألف فرصة عمل سنوياً، فمن المنطقي ان ينعكس جزء جوهري منها في نمو قاعدة المشتركين بالضمان، باعتبارها مؤشراً رئيسياً على انتقال فرص العمل الى الاقتصاد المنظم والمغطى تأمينياً. ولذلك، فإن عدم نمو قاعدة المشتركين، بل انخفاضها، يثير تساؤلاً مشروعاً حول حجم الزيادة الفعلية في فرص العمل المعلنة ومدى اتساقها مع المؤشرات المستقلة التي تعكسها بيانات الضمان الاجتماعي.

ارتفاع اعداد المتقاعدين… ضغط متزايد على المعادلة

في المقابل، ارتفع عدد المتقاعدين بأكثر من ٢٠ الفاً خلال الفترة نفسها. وهذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن بقية المؤشرات، فارتفاع أعداد المتقاعدين بالتزامن مع عدم نمو قاعدة المشتركين يغير تدريجياً العلاقة بين عدد المشتركين وعدد المستفيدين.

ولا يعني ذلك وحده وجود مشكلة فورية في الاستدامة المالية للضمان، لأن تقييم الاستدامة يتطلب النظر الى مجموعة اوسع من المتغيرات، تشمل الاشتراكات والأجور ومعدلات التقاعد ومتوسط مدة الاستحقاق والعوائد الاستثمارية والتدفقات النقدية، اضافة الى الوضع المالي والاكتواري طويل الأجل للنظام.

لكن الاتجاه يستحق المتابعة، لأن استدامة أي نظام تأميني تعتمد على قدرته على الوفاء بالتزاماته المستقبلية ضمن توازن مالي واكتواري مستدام.

والأهم هنا هو مقارنة سرعة التغير في طرفي المعادلة: ففي الوقت الذي تراجعت فيه قاعدة المشتركين بنحو ٠.٧٪، ارتفع عدد المتقاعدين بأكثر من ٢٠ الفاً. وهذا الاختلاف في الاتجاهين يستحق تفسيراً، خصوصاً إذا استمر لفترات أطول.

أين نحن من مستهدف خلق ١٠٠ ألف فرصة عمل؟ هنا تظهر المسألة الأهم.

اذا كان المستهدف الحكومي هو خلق ١٠٠ الف فرصة عمل خلال عام ٢٠٢٦، فإن مرور ثمانية اشهر من العام يفترض تحقيق جزء ملموس من هذا المستهدف. لكن بيانات الضمان لا تظهر حتى الآن زيادة صافية في قاعدة المشتركين خلال الفترة محل المقارنة، بل تظهر انخفاضاً فيها.

وهذا لا يعني ان كل فرصة عمل جديدة يجب ان تظهر فوراً وبشكل مطابق في بيانات الضمان، ولا يعني ان عدد المشتركين يساوي عدد فرص العمل الجديدة. لكن الفجوة بين المستهدفات المعلنة واتجاه قاعدة المشتركين تستدعي تفسيراً اقتصادياً واضحاً.

فإذا كانت فرص العمل قد زادت بالفعل بالوتيرة المستهدفة، فما نسبة هذه الوظائف التي انعكست في اشتراكات جديدة بالضمان؟ واذا لم تنعكس، فما طبيعة هذه الوظائف وهل تقع خارج نطاق التغطي التأمينية؟ أم انها وظائف غير مستقرة؟ أم ان أرقام التشغيل المستخدمة في تقييم الانجاز تقيس مفهوماً مختلفاً عن الوظائف المسجلة في الضمان؟

هذه أسئلة فنية، وليست سياسية.

الصورة التي ترسمها المؤشرات عند جمع المؤشرات معاً، تظهر اربعة اتجاهات تستحق التفسير:

١) تراجع واضح في الاشتراك الاختياري.

٢) انخفاض صافي قاعدة المشتركين.

٣) ارتفاع ملموس في أعداد المتقاعدين.

٤) فجوة بين اتجاه قاعدة المشتركين ومستهدفات خلق فرص العمل المعلنة.

كل مؤشر منفرد يمكن ان تكون له تفسيرات متعددة، لكن اجتماع هذه الاتجاهات خلال فترة زمنية واحدة يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تقلبات عابرة.

والأهم ان هذه البيانات تفتح سؤالاً اوسع حول طبيعة النمو في سوق العمل: هل يخلق الاقتصاد وظائف جديدة بالسرعة المطلوبة؟ وما طبيعة هذه الوظائف؟ وكم منها يتحول الى عمل رسمي مستقر ومشمول بالتغطية التأمينية؟ وهل تتوافق مؤشرات التشغيل المستخدمة رسمياً مع ما يظهر في بيانات الضمان الاجتماعي؟

المطلوب تفسير اقتصادي لا تطمينات عامة

أمام هذه المؤشرات، تصبح مسؤولية الفريق الاقتصادي الحكومي، ورئيسه الذي عين مؤخراً نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، اكبر في تقديم قراءة مهنية وشفافة لهذه الأرقام. فالمطلوب منه ليس الاكتفاء بعرض المستهدفات او تكرار الخطاب الرسمي حول خلق فرص العمل، بل تفسير الفجوة بين ما يُعلن عن تحقيقه وما تعكسه بيانات الضمان الاجتماعي.

كذلك، المطلوب ليس الدفاع عن الأرقام او التقليل من أهميتها، بل تفسيرها بالأرقام نفسها. فإذا كان هناك تفسير احصائي او تشريعي او اقتصادي لتراجع الاشتراك الاختياري، وانخفاض قاعدة المشتركين، وارتفاع اعداد المتقاعدين، فعلى الفريق الاقتصادي ان يوضحه للرأي العام، وان يبين كيف ينسجم ذلك مع مستهدفات خلق فرص العمل المعلنة.

وإذا كانت مؤشرات خلق فرص العمل تسير وفق المستهدفات الحكومية، فمن الضروري أيضاً توضيح العلاقة بين تلك المؤشرات وبيانات الضمان، خصوصاً ان الفارق بين المؤشرين يمكن ان يكشف الكثير عن طبيعة الوظائف التي يخلقها الاقتصاد.

الاقتصاد لا يقاس فقط بعدد فرص العمل المعلنة، بل أيضاً بقدرة هذه الوظائف على توسيع قاعدة العمل المنظم، وزيادة الاشتراكات، وتحسين دخول الأسر، وتعزيز قاعدة الممولين لأنظمة الحماية الاجتماعية.

لذلك، فإن بيانات الضمان الاجتماعي المنشورة في ٢٤ آب لا تقدم مجرد ارقام. انها تقدم اشارات مهمة عن اتجاهات سوق العمل، وتضع المستهدفات الحكومية أمام اختبار رقمي واضح.

والسؤال الذي يحتاج الى اجابة لم يعد: كم فرصة عمل اعُلن عن خلقها بل: كم وظيفة مستقرة ومنظمة اضيفت فعلياً الى الاقتصاد الوطني، وكم منها دخل الى مظلة الضمان الاجتماعي؟

هذه هي المقارنة التي تستحق ان تكون في صلب تقييم اداء سياسة التشغيل خلال عام ٢٠٢٦.

مدار الساعة ـ