أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

اقتصاد الظل.. معركة الإصلاح الضريبي المقبلة


سلامة الدرعاوي

اقتصاد الظل.. معركة الإصلاح الضريبي المقبلة

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لم يعد اقتصاد الظل في الأردن ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها نشاطاً اقتصادياً خارج الأطر الرسمية فحسب، بل أصبح تحدياً مالياً واقتصادياً يمس العدالة الضريبية، وتنافسية القطاع الخاص، وحماية العاملين، وقدرة الدولة على بناء سياسات اقتصادية تستند إلى بيانات دقيقة.

وتشير دراسة رسمية إلى أن متوسط حجم الاقتصاد غير الرسمي خلال الفترة 2002-2020 بلغ 26.5 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق المنهجية المدمجة التي اعتمدتها الدراسة. كما قدرت دراسة أحدث للفترة 2019-2023 مساهمته في عام 2023 بنحو 26.9 % من الناتج، وهو ما يؤكد أن الظاهرة ليست صغيرة أو عابرة.

خطورة اقتصاد الظل لا تكمن فقط في الإيرادات الضريبية المفقودة، وإنما في تشويه المنافسة. فالمنشأة التي تعمل بصورة رسمية وتتحمل الضرائب والضمان الاجتماعي وكلف الترخيص والامتثال تجد نفسها أمام منشآت تنافسها من خارج المنظومة، ما يضعف الحوافز على الاستثمار الرسمي ويشجع بعض الأنشطة على البقاء خارج الاقتصاد المنظم.

كما أن الاقتصاد غير الرسمي يعني عمالة أقل حماية، وبيانات اقتصادية أقل دقة، وإنتاجية أدنى في كثير من الحالات، وبالتالي صعوبة أكبر أمام الدولة في رسم سياسات اقتصادية تستند إلى صورة كاملة عن النشاط الاقتصادي. وقد أشارت تقديرات بحثية إلى أن الضريبة الممكن تحصيلها من النشاط غير الرسمي قد تصل إلى نحو 1.4 مليار دينار سنوياً، وإن كانت هذه التقديرات تختلف باختلاف المنهجية.

وهنا تأتي أهمية الإصلاح الضريبي ونظام الفوترة الوطني. فالفوترة ليست مجرد إجراء لتحصيل الضريبة، وإنما أداة لبناء اقتصاد أكثر شفافية، من خلال توثيق المعاملات وربط حلقات النشاط الاقتصادي ببعضها، وتقليص مساحة إخفاء المبيعات والإيرادات. وتؤكد دائرة ضريبة الدخل والمبيعات أن أحد الأهداف الأساسية للفوترة هو الحد من التهرب الضريبي.

واللافت أن 87 ألف مكلف ضريبي من أصل 140 ألفاً كانوا مسجلين في نظام الفوترة الوطني، فيما تغطي مبيعات المسجلين نحو 95 % من إجمالي المبيعات المسجلة لدى دائرة الضريبة، وفق بيانات رسمية حديثة.

لكن تقليص اقتصاد الظل لا يكون بالعقوبات وحدها. المطلوب سياسة دمج تقوم على تبسيط التسجيل والترخيص، وخفض كلف الامتثال للمشروعات الصغيرة، ومنح حوافز للانتقال إلى القطاع الرسمي، وربط الحماية الاجتماعية بالتسجيل الرسمي، بالتوازي مع تشديد الرقابة على من يصر على العمل خارج المنظومة.

المعركة الحقيقية ليست ضد أصحاب الأعمال الصغيرة، وإنما ضد النشاط الاقتصادي غير المرئي. وكلما توسعت الدولة في الرقمنة والفوترة والربط بين قواعد البيانات، أصبحت قادرة على الانتقال من اقتصاد يعتمد على تقدير النشاط إلى اقتصاد تعرف فيه أين تنتج القيمة، ومن يبيع، ومن يشتري، ومن يدفع الضريبة.

تقليص اقتصاد الظل يعني في النهاية توسيع القاعدة الضريبية دون زيادة العبء الضريبي على الملتزمين، وهذه هي المعادلة التي يحتاجها الاقتصاد الأردني اليوم.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ