في كل عام، تحلّ علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، فتتجه القلوب إلى أعظم خلق الله تعالى، إلى أعظم إنسان عرفته البشرية، إلى سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وأله وسلم، الهادي الذي أضاء الله به ظلمات الجاهلية، ورحمة الله المهداة إلى العالمين، وصاحب الرسالة التي لم تكن مجرد كلمات تُتلى، ولا شعارات تُرفع، بل مشروعاً إلهياً متكاملاً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع وإقامة العدل وصون الكرامة الإنسانية.
إن الاحتفاء بمولد رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم ينبغي أن يكون فرصةً للتأمل في عظمة رسالته، والوقوف أمام حاجتنا الملحّة في زمننا هذا إلى العودة إلى جوهر ما جاء به، لا إلى الماضي باعتباره زمناً نعيش فيه، بل إلى القيم التي صنع بها النبي صلى الله عليه وأله وسلم أمةً وحضارةً وتاريخاً.لقد بعث الله نبيه في زمنٍ امتلأ بالظلم والجهل والعصبية والفساد، فأعاد ترتيب القيم، وجعل الإنسان، أياً كان أصله أو لونه أو قبيلته، مكرّماً عند الله بإنسانيته وتقواه، وجعل العدل أساساً للحكم، والرحمة أساساً للعلاقات، والأمانة أساساً للمسؤولية، والعلم أساساً للبناء، والأخلاق أساساً للقوة.واليوم، ونحن نعيش زمناً مضطرباً، ربما نكون أحوج ما نكون إلى رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم، وإلى رسالته، وإلى أخلاقه.نحن نعيش في عالمٍ تتقدم فيه التكنولوجيا بسرعة مذهلة، لكن الإنسان نفسه لم يتقدم بالقدر ذاته في أخلاقه. نملك وسائل تواصلٍ تقرّب المسافات، لكن القلوب تزداد تباعداً. نمتلك قدرة هائلة على نقل الأخبار، لكن الحقيقة نفسها أصبحت أحياناً ضحيةً للكذب والتضليل. نملك ثروةً معرفية لم يعرفها البشر من قبل، ومع ذلك ما زالت الحروب والدماء والكراهية تملأ أجزاءً واسعة من هذا العالم.وفي خضم هذا كله، نحتاج إلى مدرسة سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم.نحتاج إلى صدقه في زمن الكذب، وأمانته في زمن استباحة المال العام والخاص، ورحمته في زمن القسوة، وعدله في زمن اختلال الموازين، وتواضعه في زمن الغرور، وشجاعته في زمن الخوف، وحكمته في زمن التسرع، وصبره في زمن يريد الجميع فيه كل شيء فوراً.لقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قائداً، لكنه لم يتكبر على أحد. وكان قوياً، لكنه لم يجعل القوة مبرراً للظلم. وكان حاكماً، لكنه بقي قريباً من الفقراء والضعفاء. وكان منتصراً، لكنه عرف معنى العفو عندما كان العفو أقوى من الانتقام.وهنا تكمن حاجتنا الحقيقية إليه في زمننا هذا.نحن بحاجة إلى استعادة مفهوم الرحمة في عالمٍ أصبحت فيه القسوة لغةً يومية. بحاجة إلى أن نفهم أن القوة لا تعني البطش، وأن الاختلاف لا يعني الكراهية، وأن السياسة لا ينبغي أن تكون مرادفاً للخداع، وأن المسؤولية ليست امتيازاً بل أمانة، وأن السلطة ليست وسيلةً للتعالي على الناس بل واجباً لخدمتهم.نحتاج إلى أن نتذكر أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وأله وسلم قال في حجة الوداع إن الدماء والأموال والأعراض لها حرمة، في وقتٍ ما زال العالم حتى اليوم عاجزاً عن احترام هذه المبادئ البسيطة والعظيمة.وفي زمنٍ يتسابق فيه كثيرون نحو الشهرة، نحتاج إلى تواضع سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم.وفي زمنٍ أصبحت فيه المصالح الشخصية عند البعض مقدمة على المصلحة العامة، نحتاج إلى أمانته صلى الله عليه وأله وسلم.وفي زمنٍ تتراجع فيه الأخلاق أمام المال والنفوذ، نحتاج إلى أن نتذكر أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم قال: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق).هذه العبارة وحدها يمكن أن تكون مشروعاً لإصلاح مجتمعاتنا.فالمشكلة الكبرى في كثير من أزماتنا ليست دائماً نقصاً في القوانين، بل نقصٌ في الأخلاق عند تطبيقها. وليست دائماً نقصاً في المؤسسات، بل ضعفٌ في الأمانة لدى من يديرونها. وليست دائماً نقصاً في الإمكانات، بل أحياناً غيابٌ للعدل في توزيعها.نحن بحاجة إلى العودة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وأله وسلم في بيوتنا، فنربي أبناءنا على الصدق والرحمة واحترام الآخرين.ونحن بحاجة إليه في مدارسنا، فلا يكون التعليم مجرد حفظٍ للمعلومات، بل بناءً للشخصية والضمير.ونحن بحاجة إليه في مؤسساتنا، فالموظف الذي يستشعر رقابة الله سيكون أكثر أمانة من آلاف التعليمات.ونحن بحاجة إليه في مواقع المسؤولية، فالحاكم أو المسؤول الذي يتذكر قول النبي صلى الله عليه وأله وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) سيدرك أن المنصب ليس ملكاً شخصياً ولا وسيلةً للثراء أو التسلط، بل مسؤولية ثقيلة سيُسأل عنها.كما أننا بحاجة إلى أخلاقه في فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح من السهل أن تُهدم سمعة إنسان بكلمة، أو أن يُنشر الكذب في لحظات، أو أن تتحول حرية التعبير إلى أداة للإساءة والتشهير والكراهية.لو استحضرنا قول الله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، وقول النبي صلى الله عليه وأله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، لربما أصبح عالمنا الرقمي أكثر إنسانية وأقل قسوة.إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مناسبة عابرة، وليست مجرد احتفالٍ بتاريخ الميلاد، بل دعوةٌ لأن نسأل أنفسنا: ماذا أخذنا فعلاً من سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم؟هل أخذنا رحمته أم اكتفينا بالحديث عنها؟هل أخذنا صدقه أم اكتفينا بمدحه؟هل أخذنا عدله أم اكتفينا بالصلاة والسلام عليه وآله؟هل جعلنا من سيرته منهجاً في حياتنا، أم حوّلناها إلى قصة جميلة نستمع إليها ثم نعود إلى واقعنا دون أن يتغير فينا شيء؟إن أعظم احتفاءٍ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم هو أن نكون امتداداً لأخلاقه، وأن تكون الرحمة حاضرة في تعاملنا، والعدل في قراراتنا، والأمانة في مسؤولياتنا، والصدق في كلماتنا، والتواضع في نفوسنا.وفي هذه الذكرى العطرة، نحن لا نحتاج فقط إلى أن نتحدث عن سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم، بل نحتاج إلى أن (نعيش سيدنا محمداً في أخلاقنا وسلوكنا ومواقفنا.نحتاجه في عالمٍ أنهكته الحروب.نحتاجه في مجتمعاتٍ مزقتها الكراهية.نحتاجه في بيوتٍ فقدت الدفء.نحتاجه في مؤسساتٍ تحتاج إلى الأمانة.نحتاجه في إعلامٍ يحتاج إلى الصدق.نحتاجه في سياسةٍ تحتاج إلى الأخلاق.نحتاجه في قلوبنا قبل كل شيء.لقد جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم رحمةً للعالمين، وما أحوج عالمنا اليوم إلى الرحمة.وكلما اشتدت ظلمات الكراهية والظلم والأنانية، ازدادت حاجتنا إلى نور ذلك الرجل العظيم الذي خرج من مكة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، ليغيّر مسار التاريخ، ويقول للبشرية كلها إن الإنسان لا يرتقي بالمال وحده، ولا بالقوة وحدها، ولا بالعلم وحده، وإنما يرتقي حين تجتمع في حياته (القوة والرحمة، والعلم والأخلاق، والحق والعدل).صلّى الله على سيدنا محمد، النبي الأمي، الرحمة المهداة، والسراج المنير، وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.وفي ذكرى مولده الشريف، لنجعل السؤال الذي يواجهنا جميعاً:هل نحتفل بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم... أم نحتاج أن نُولد من جديد على قيم سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم؟لعلّ العالم اليوم لا يحتاج إلى المزيد من القوة بقدر حاجته إلى مزيدٍ من الرحمة، ولعلّ العالم اليوم لا إلى المزيد من القوانين بقدر حاجته إلى مزيدٍ من العدالة، ولعلّ العالم اليوم لا إلى المزيد من الكلام عن القيم بقدر حاجته إلى من يعيشها.وهنا، تحديداً، تكمن حاجتنا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وأله وسلم... أكثر من أي وقت مضى.في رحاب ذكرى مولد الهادي سيدنا محمد
مدار الساعة ـ