لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية مجرد زيارة سياسية واقتصادية لتعزيز العلاقات بين البلدين، بل حملت في أحد أبرز جوانبها رسالة واضحة حول أهمية أن يكون الأردن حاضراً في المشهد العالمي الجديد الذي تصنعه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات. ومن أبرز محطات الزيارة اطلاع جلالته على التطور المتسارع الذي تشهده الصين في مجال صناعة الروبوتات والأنظمة الذكية، وما وصلت إليه هذه التكنولوجيا من مستويات متقدمة في مجالات الصناعة والخدمات والأتمتة، الأمر الذي يفتح أمام الأردن آفاقاً جديدة للتعاون والاستفادة من التجربة الصينية.
إن زيارة جلالة الملك لشركة متخصصة في تصنيع الروبوتات في مدينة شنغهاي تعكس اهتماماً ملكياً مباشراً بالتكنولوجيا التي أصبحت تشكل أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي. فالروبوتات لم تعد مجرد آلات تستخدم في المصانع، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والقدرة على التعلم والتفاعل مع البيئة وتنفيذ مهام متعددة في قطاعات الحياة المختلفة. وما شاهده جلالته من تطبيقات متقدمة يؤكد أن العالم يتجه بسرعة نحو مرحلة جديدة سيكون فيها الذكاء الاصطناعي والروبوتات جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة والعمل والإنتاج.ومن المهم قراءة هذه الزيارة من منظور أردني، إذ إن الأردن يمتلك طاقات بشرية شابة وكفاءات في مجالات الهندسة والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، ويمكن لهذه الطاقات أن تكون أساساً لبناء قطاع متقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات. ولذلك فإن أهمية التعاون مع الصين لا تكمن فقط في الحصول على التكنولوجيا أو استيراد الأجهزة، وإنما في نقل المعرفة وتبادل الخبرات وبناء شراكات حقيقية بين الجامعات والمؤسسات والشركات الأردنية ونظيراتها الصينية. وهذا النوع من التعاون يمكن أن يسهم في تدريب الطلبة والمهندسين، وتطوير مراكز البحث والابتكار، وتشجيع الشركات الناشئة، وتحويل الأفكار العلمية إلى مشاريع ومنتجات قابلة للتطبيق.وتأتي أهمية الانفتاح على التجربة الصينية من كون الصين استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحول إلى واحدة من أبرز القوى العالمية في التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والروبوتات. فالنجاح الصيني لم يكن نتيجة التكنولوجيا وحدها، بل جاء نتيجة الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية وتشجيع الشركات والابتكار وربط الجامعات بالقطاع الصناعي. وهذه تجربة يمكن للأردن أن يدرسها ويستفيد منها بما يتناسب مع إمكاناته واحتياجاته، خصوصاً أن الأردن يمتلك قاعدة جيدة من الكفاءات البشرية وشريحة واسعة من الشباب القادر على التعلم والابتكار. ومن هنا يمكن النظر إلى زيارة جلالة الملك لشركة الروبوتات والأنظمة الذكية باعتبارها رسالة تتجاوز حدود الزيارة الرسمية، وتؤكد ضرورة الاستعداد للمستقبل وعدم الاكتفاء بمراقبة التحولات التكنولوجية من بعيد. فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيدخلان حياتنا، لأنهما دخلاها بالفعل، وإنما كيف يمكن للأردن أن يكون شريكاً في هذه الثورة التكنولوجية، وكيف يمكن تحويلها إلى فرصة حقيقية للنمو الاقتصادي وتطوير التعليم وخلق فرص جديدة للشباب.إن الصورة التي ظهر فيها جلالة الملك وهو يطلع على أحدث تقنيات الروبوتات في الصين يمكن قراءتها باعتبارها صورة للأردن وهو ينظر إلى المستقبل ويبحث عن فرص جديدة للتقدم. فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا فقط، بل لمن يمتلك المعرفة والقدرة على تطويرها وتوظيفها بالشكل الصحيح. ولذلك فإن المطلوب في المرحلة المقبلة هو تحويل الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى برامج ومشاريع عملية، من خلال تطوير المناهج التعليمية، ودعم البحث العلمي، وإنشاء مختبرات ومراكز متخصصة، وتشجيع الشركات الناشئة، وبناء شراكات دولية تتيح للأردنيين الوصول إلى أحدث الخبرات والتقنيات.وفي المحصلة، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين والاطلاع على عالم الروبوتات والذكاء الاصطناعي تحمل دلالات اقتصادية وعلمية واستراتيجية مهمة، وتؤكد أن الأردن يدرك حجم التحول الذي يشهده العالم ويسعى إلى أن يكون جزءاً منه. وإذا ما تم استثمار هذه الزيارة وما يرافقها من علاقات وشراكات في بناء الإنسان الأردني وتطوير قدراته العلمية والتكنولوجية، فإن الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمكن أن يتحولا من مجرد تكنولوجيا نشاهدها في دول متقدمة إلى أدوات حقيقية تساعد الأردن على بناء اقتصاد أكثر ابتكاراً وقدرة على المنافسة، وتمنح الشباب الأردني فرصة ليكونوا صناعاً للمستقبل لا مجرد مستهلكين لتقنياته.قراءة في زيارة الملك إلى الصين: من الروبوتات إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
قراءة في زيارة الملك إلى الصين: من الروبوتات إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ