أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

فصل سري في حياة ستيف جوبز.. كيف أنقذت الاستخبارات الأمريكية شركة 'نكست'؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة,شركات التكنولوجيا,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - قد تبدو قصة «أبل» اليوم منفصلة تماماً عن عالم الجيوش وأجهزة الاستخبارات، فالشركة التي صنعت «آيفون» و«ماك» بنت صورتها على التصميم والابتكار والمنتجات الاستهلاكية، لكن خلف هذه الصورة فصل أقل شهرة يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين دخل ستيف جوبز في علاقة غير متوقعة مع أجهزة الأمن القومي الأمريكي عبر شركته «نكست».

القصة كما ترويها صحيفة وول ستريت جورنال، بدأت عام 1986، في ذروة الحرب الباردة، حين كان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان يضخ مليارات الدولارات في وزارة الدفاع، فيما كانت مؤسسات الأمن القومي تبحث عن طرق للاستفادة من الثورة الحاسوبية الصاعدة في وادي السيليكون. وفي هذا السياق وصل مسؤولان يعملان في برنامج سري تابع لوكالة الاستخبارات المركزية إلى مقر «نكست»، الشركة التي أسسها جوبز بعد خروجه من «أبل» عام 1985، وكان هدفهما واضحاً: معرفة ما إذا كان جوبز قادراً على توفير أجهزة وتقنيات تخدم مجتمع الاستخبارات.

المفارقة أن جوبز لم يكن من النوع الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن عقود أمنية سرية، فقد ارتبط اسمه بالثقافة المضادة في الستينيات والسبعينيات، ومع ذلك، دخلت شركته الجديدة سريعاً في دائرة اهتمام أجهزة الاستخبارات.

وكانت هناك صلة أخرى مهّدت لذلك، ففي فبراير 1986 استحوذ جوبز على قسم الرسوميات الحاسوبية التابع لشركة «لوكاس فيلم»، وهو القسم الذي تحول لاحقاً إلى «بيكسار»، وكان هذا القسم قد عمل مع شركة دفاعية في وادي السيليكون على تطوير حاسوب مخصص لمحللي الاستخبارات لدراسة صور الأقمار الصناعية.

وبعد سلسلة من الاتصالات، التقى جوبز أحد المسؤولين المرتبطين بالمشروع في نيويورك. لم يكشف له عن التفاصيل السرية، لكنه سأله عن قدرة «نكست» على توفير أجهزة حاسوب بكميات كبيرة. وعندما دار الحديث عن الأرقام، جاء الطلب لافتاً: 20 ألف جهاز خلال عام واحد، مع تعديلات خاصة تشمل معالجاً أسرع وبطاقة رسوميات متخصصة، على أن تتولى جهات أخرى تنفيذ هذه التعديلات بعيداً عن مصانع «نكست».

بالنسبة إلى جوبز، لم تكن المسألة تقنية فقط، فشركته، «نكست» كانت في حاجة ماسة إلى المبيعات، حيث كانت أجهزتها باهظة الثمن، وخطط بيعها للجامعات لم تحقق الحجم الذي كان يطمح إليه، ووسط هذه الصعوبات، أصبح العقد الحكومي واحداً من أهم مصادر الطلب على أجهزة الشركة.

ووفق المادة، لم يكن يُعلن داخلياً أو خارجياً أن وكالة الاستخبارات المركزية هي الطرف الحقيقي، إذ ظهر اسم وكالة الأمن القومي رسمياً بوصفها المشتري.

ومع زيادة الطلب، تغير حجم التصنيع سريعاً، حيث أنتجت «نكست» في البداية نحو 100 جهاز في الشهر، ثم ارتفع الإنتاج إلى 1500 جهاز شهرياً، قبل أن يصل إلى 5000 جهاز، وكانت الأجهزة تُنقل في شاحنات غير مميزة إلى شركة واجهة مرتبطة بالاستخبارات، حيث تُركب الشرائح والمعالجات الخاصة، ثم تُنقل لاحقاً إلى منشأة عسكرية ليتم شحنها جواً إلى وجهات بقيت سرية.

وصلت حواسيب «نكست» إلى محللين في مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي، حيث استخدمت شاشاتها عالية الدقة ومعالجاتها المتخصصة لفحص صور الأقمار الصناعية، ورصد تحركات عسكرية أو إنشاءات مرتبطة بالصواريخ، كما استخدمت لإعداد ومشاركة إحاطات تجمع الفيديو والصور الثابتة والتعليقات الصوتية، وتقديمها إلى المسؤولين وصناع القرار.

وكان التأثير الأكبر في طريقة تداول المعلومات نفسها، فقد أتاحت أجهزة «نكست» مشاركة البيانات عبر شبكات استخباراتية واسعة، بما يسمح بوصول الصور الحديثة إلى أفراد عسكريين في مواقع مختلفة من العالم وتحليلها بسرعة قريبة من الزمن الفعلي، وفي وقت كان الإنترنت العام لا يزال في بداياته، امتلك مجتمع الاستخبارات شكلاً عملياً من شبكة واسعة لتبادل المعلومات.

هذا الاستخدام غيّر أيضاً بعض التقاليد القديمة داخل أجهزة الاستخبارات، لأن المعلومات لم تعد محصورة في مركز واحد أو في عدد محدود من المحللين، فأصبح بإمكان قادة عسكريين في قواعد مختلفة الاطلاع على الصور بأنفسهم، وهو ما وصفه أحد المسؤولين لاحقاً بأنه من أكبر النتائج غير المقصودة للمشروع.

ثم انتهت الحرب الباردة، وتغيرت أولويات واشنطن، بينما بدأ جوبز ينظر إلى مكان آخر تماماً.

في عام 1996 أعلنت «أبل» شراء شركة «نكست»، وعاد جوبز إلى الشركة التي ساهم في تأسيسها، وبعد سنوات استعاد السيطرة عليها، وبدأت رحلة تحولت خلالها إلى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، مع منتجات غيرت سوق الموسيقى والحوسبة والهواتف.

وهنا تظهر الصلة الأهم بين القصة القديمة و«أبل» التي نعرفها اليوم، فنظام تشغيل «نكست»، المعروف باسم «نكست ستيب»، أصبح الأساس التقني الذي بُنيت عليه أنظمة «أبل» الحديثة، من أجهزة «ماك» إلى «آيفون»، أي أن الشركة التي تلقت في سنواتها الصعبة دعماً مهماً عبر عقود مرتبطة بأجهزة الاستخبارات انتهى جزء أساسي من تقنيتها داخل المنتجات التي يستخدمها اليوم مئات الملايين حول العالم.

ولم تتحول «أبل» لاحقاً إلى متعاقد عسكري ضخم بالطريقة التي كانت عليها «نكست»، ومع نهاية الحرب الباردة، انخفض الإنفاق الدفاعي الأمريكي بنحو 30% بحلول نهاية التسعينيات، في الوقت نفسه الذي انفجر فيه سوق الحواسيب الشخصية، وابتعد وادي السيليكون عن المؤسسة العسكرية، واتجه أكثر نحو المستهلكين.

لكن العلاقة تعود اليوم من جديد مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأمريكي واستثمارات جديدة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، حيث نرى شركات وادي السيليكون تعيد بناء جسورها مع البنتاغون.


مدار الساعة ـ