أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كينمن بعد 68 عاماً: من جبهة مدفعية إلى ساحة حرب رمادية بين بكين وتايبيه

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة,القوات المسلحة,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -أعادت الذكرى الثامنة والستون لمعركة كينمن عام 1958 التوتر التاريخي بين تايوان والصين إلى الواجهة، في وقت تشهد فيه منطقة مضيق تايوان تحولات عسكرية وأمنية متسارعة. فالجزيرة الصغيرة الواقعة قبالة الساحل الصيني لم تعد مجرد موقع لمعركة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، بل تحولت إلى رمز للمعادلة الأمنية التي تحاول تايبيه ترسيخها اليوم، والقائمة على تعزيز القدرة العسكرية باعتبارها وسيلة للردع والحفاظ على الوضع القائم.

وجاء إحياء ذكرى معركة 23 أغسطس هذا العام بالتزامن مع توجه تايواني واضح نحو رفع الإنفاق العسكري وتطوير قدرات دفاعية جديدة، في ظل استمرار الضغوط العسكرية والسياسية الصينية حول الجزيرة. وتربط القيادة التايوانية بين تجربة كينمن التاريخية وبين التحديات الحالية، معتبرة أن الحفاظ على السلام في مضيق تايوان يتطلب امتلاك قدرة دفاعية تجعل تكلفة أي مواجهة عسكرية مرتفعة.

وتكتسب هذه الذكرى أهمية خاصة لأن أحداث عام 1958 تمثل آخر مواجهة عسكرية واسعة النطاق مباشرة بين القوات الصينية والتايوانية، كما أنها جاءت بعد أقل من عقد على انتهاء الحرب الأهلية الصينية التي رسمت الخريطة السياسية الحالية على جانبي المضيق.

ترجع جذور الأزمة الحالية إلى الحرب الأهلية الصينية بين القوميين بقيادة حزب الكومينتانغ والشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ. وبعد انتصار الشيوعيين وإعلان جمهورية الصين الشعبية في بكين عام 1949، انتقلت حكومة جمهورية الصين إلى تايوان، بينما بقيت تحت سيطرتها مجموعة من الجزر القريبة للغاية من البر الصيني، وفي مقدمتها كينمن وماتسو.

ومنذ ذلك الوقت تشكل واقع سياسي وعسكري استثنائي: حكومة في بكين تسيطر على البر الصيني وتعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، وسلطة في تايبيه تدير الجزيرة ومجموعة من الجزر المحيطة بها بصورة منفصلة.

ولم ينهِ الطرفان هذا النزاع باتفاق سلام أو هدنة رسمية، وهو ما جعل إرث الحرب الأهلية مستمراً من الناحية السياسية والاستراتيجية رغم مرور أكثر من سبعة عقود.

وتظهر حساسية هذا الوضع بصورة واضحة في كينمن. فالجزيرة تتبع إدارياً لتايوان، لكنها تقع عند أقرب نقطة على مسافة تقل عن كيلومترين من الأراضي الخاضعة لسيطرة الصين. ولهذا أصبحت طوال عقود إحدى أكثر النقاط حساسية على جانبي مضيق تايوان.

معركة 1958.. عندما تحولت كينمن إلى خط نار

في 23 أغسطس 1958 بدأت القوات الصينية قصفاً مكثفاً لجزر كينمن، بالتزامن مع عمليات استهدفت ماتسو ومواجهات جوية وبحرية في المنطقة. واستمر القصف المكثف لأكثر من شهر، ضمن محاولة للضغط على القوات المتمركزة في الجزر وإضعاف قدرتها على الاحتفاظ بهذه المواقع المتقدمة.

وأصبحت المواجهة لاحقاً جزءاً مما يعرف بـ«أزمة مضيق تايوان الثانية».

ولم تكن المعركة محصورة بين بكين وتايبيه فقط، إذ دخل العامل الأمريكي بقوة في حساباتها. فقد قدمت الولايات المتحدة الدعم لتايوان وساعدتها في الحفاظ على خطوط الإمداد، وسط مخاوف في ذلك الوقت من تحول الاشتباكات إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وانتهت الأزمة في النهاية من دون حسم سياسي شامل، وظلت كينمن وماتسو تحت إدارة تايوان.

لهذا تحمل ذكرى 23 أغسطس أهمية عسكرية وسياسية خاصة في تايوان؛ فهي تمثل بالنسبة إلى المؤسسة الدفاعية هناك لحظة تمكنت فيها الجزيرة من الاحتفاظ بمواقعها رغم الضغط العسكري المباشر، وأصبحت المعركة لاحقاً جزءاً من سردية الردع والدفاع عن الأراضي الواقعة تحت سيطرة تايبيه.

كينمن من ساحة حرب إلى منطقة تماس رمادية

ورغم أن مشاهد القصف المدفعي الواسع التي ميزت عام 1958 لم تعد قائمة، فإن كينمن لم تفقد أهميتها الاستراتيجية.

فالاحتكاك في المنطقة أخذ خلال السنوات الأخيرة أشكالاً مختلفة، أبرزها النشاط المتزايد لخفر السواحل الصيني حول الجزر والمياه التي تديرها تايوان. ومنذ أوائل عام 2024 كثفت بكين دوريات تصفها بأنها عمليات لإنفاذ القانون حول كينمن، في حين تنظر تايبيه إلى بعضها باعتبارها جزءاً من ضغوط «المنطقة الرمادية» التي تقع بين النشاط المدني والمواجهة العسكرية المباشرة.

وهذا النوع من الضغط يحمل أهمية خاصة لأنه يسمح للصين بتأكيد حضورها بصورة مستمرة من دون الوصول بالضرورة إلى مستوى الحرب المفتوحة.

وتشمل البيئة الأمنية الأوسع حول تايوان تحركات عسكرية وتمارين بحرية وجوية وضغوطاً سياسية واقتصادية، وهو ما يجعل التوتر مختلفاً عن أزمات الخمسينيات. فبدلاً من الاعتماد على القصف المباشر وحده، أصبحت المنافسة تشمل القوات المسلحة وخفر السواحل والحرب المعلوماتية والضغط الاقتصادي والقدرات السيبرانية والطائرات المسيّرة وغيرها من أدوات الصراع الحديثة.

استراتيجية «السلام من خلال القوة»

ضمن هذه البيئة تتجه السياسة الدفاعية التايوانية بصورة متزايدة إلى مفهوم الردع، أي بناء قوة دفاعية تجعل اللجوء إلى العمل العسكري ضد الجزيرة أكثر تكلفة وتعقيداً.

ومن هذا المنظور، لا يعني تعزيز القوة العسكرية بالضرورة الاستعداد لخوض حرب، بل محاولة منع وقوعها أساساً عن طريق إقناع الطرف الآخر بأن تحقيق أهدافه بالقوة سيواجه مقاومة كبيرة.

ولهذا أصبحت ذكرى كينمن مرتبطة في الخطاب الأمني التايواني الحالي بفكرة «السلام من خلال القوة». ويرى هذا التوجه أن تجربة 1958 أظهرت أن الاحتفاظ بالقدرة على الدفاع عن الأراضي كان عاملاً أساسياً في منع انهيار المواقع التايوانية وفي الوصول لاحقاً إلى حالة من الاستقرار النسبي عبر المضيق.

وفي المقابل، تنظر الصين إلى زيادة القدرات العسكرية التايوانية، خصوصاً عندما ترتبط بالتعاون العسكري مع الولايات المتحدة، من زاوية مختلفة، وتعتبر أن الدعم العسكري الخارجي ومحاولات تعزيز الهوية السياسية المنفصلة لتايوان يمكن أن تزيد التوتر بدلاً من تخفيفه.

وهكذا تنشأ إحدى المعضلات الرئيسية في مضيق تايوان: ما تعتبره تايبيه إجراءات ضرورية للردع والدفاع، يمكن أن تراه بكين خطوات تزيد احتمالات المواجهة.

ميزانية دفاع تتجاوز تريليون دولار تايواني

ولا تقتصر استراتيجية تايوان الجديدة على الخطاب السياسي، بل تنعكس بصورة مباشرة في الأرقام.

فالحكومة التايوانية اقترحت رفع الإنفاق الدفاعي لعام 2027 إلى نحو 1.1225 تريليون دولار تايواني، في مستوى قياسي يتجاوز للمرة الأولى حاجز التريليون دولار تايواني، ويمثل أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي وفق طريقة الحساب المستخدمة في الخطة الحكومية. كما يمثل المقترح زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق.

وتتجه هذه الأموال إلى مجموعة من المجالات التي تعكس طبيعة الحرب الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ والقدرات العسكرية غير المتناظرة، إلى جانب مشاريع تطوير القوات المسلحة وبرامج بناء الغواصات محلياً وتعزيز دور خفر السواحل.

وكانت وزارة الدفاع التايوانية قد أشارت إلى أن الإنفاق الدفاعي لعام 2026، عند احتسابه وفقاً لمعايير تشمل بنوداً إضافية مثل خفر السواحل ومدفوعات تقاعد المحاربين القدامى، يصل إلى نحو 949.5 مليار دولار تايواني، أي قرابة 3.32% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويعني ذلك أن تعزيز الدفاع لم يعد إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بأزمة محددة، بل أصبح جزءاً من مسار طويل الأمد لإعادة تشكيل القدرات العسكرية التايوانية.

الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحرب غير المتناظرة

ومن أبرز التحولات في الاستراتيجية التايوانية محاولة الابتعاد عن الاعتماد الكامل على الأسلحة التقليدية مرتفعة التكلفة، والتوسع في قدرات تستطيع العمل في بيئة مواجهة خصم أكبر بكثير من حيث عدد القوات وحجم الميزانية العسكرية.

وتشمل الخطط المعلنة تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية، وتطوير الطائرات المسيّرة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية الجديدة، إلى جانب مواصلة شراء أنظمة عسكرية من الخارج وبناء منظومة أوسع للدفاع المدني والوطني. وأكدت الرئاسة التايوانية هذه الأولويات ضمن رؤيتها لتعزيز الدفاع خلال إحياء ذكرى معركة كينمن.

وتنسجم هذه السياسة مع مفهوم «الدفاع غير المتناظر»، الذي يعتمد على امتلاك أعداد كبيرة من الأنظمة الأصغر والأكثر مرونة، مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والألغام والقدرات المتحركة، بدلاً من محاولة منافسة الصين بصورة مباشرة في عدد السفن والطائرات والمنصات العسكرية الكبرى.

الولايات المتحدة.. العامل الثالث في معادلة المضيق

من الصعب فهم التوتر بين الصين وتايوان من دون إدخال الولايات المتحدة في المعادلة.

فواشنطن لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، لكنها تعد أهم مورد للأسلحة للجزيرة، وتدعم قدرتها على الدفاع عن نفسها. كما تضغط الولايات المتحدة منذ سنوات باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي التايواني وتعزيز قدرة الجزيرة على الصمود أمام سيناريوهات مثل الحصار البحري أو الهجوم العسكري.

وتعود جذور هذا الدور إلى الأزمات الأولى في مضيق تايوان، بما في ذلك مواجهة 1958 التي لعب فيها الدعم الأمريكي دوراً مهماً في مساعدة تايوان على الاحتفاظ بكينمن وماتسو.

ولهذا فإن أي أزمة كبيرة في المضيق لا تقتصر حساباتها على بكين وتايبيه، بل تحمل احتمالاً للتأثير المباشر في العلاقات الصينية الأمريكية وفي التوازن الأمني لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها.

لماذا يمثل مضيق تايوان نقطة حساسة عالمياً؟

لا تنبع أهمية تايوان من الخلاف السياسي وحده. فالجزيرة تقع في موقع استراتيجي ضمن ما يعرف بـ«سلسلة الجزر الأولى» الممتدة عبر غرب المحيط الهادئ، وهي منطقة مركزية في الحسابات العسكرية الصينية والأمريكية واليابانية.

كما أن أي اضطراب واسع في المضيق يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز المجال العسكري، نظراً إلى أهمية الممرات البحرية في شرق آسيا ودور الاقتصاد التايواني في سلاسل الإمداد التكنولوجية العالمية.

وبالتالي فإن تحول الأزمة إلى حصار أو صراع مسلح واسع يمكن أن ينعكس على التجارة والشحن والتكنولوجيا والأسواق المالية الدولية، وهو ما يفسر الاهتمام العالمي المستمر بأي مناورات أو تحركات عسكرية كبيرة حول الجزيرة.

بكين وتايبيه.. رؤيتان متعارضتان للمستقبل

في جوهر الأزمة توجد رؤيتان سياسيتان يصعب التوفيق بينهما.

تعتبر بكين تايوان جزءاً من الصين وترفض أي مسار يؤدي إلى استقلال رسمي للجزيرة، كما تحتفظ بخيار استخدام القوة لتحقيق الوحدة. وفي المقابل، تعمل تايوان كنظام سياسي منفصل فعلياً، بمؤسساتها وحكومتها وقواتها المسلحة وانتخاباتها، وترفض حكومتها الحالية خضوع مستقبل الجزيرة لقرار تتخذه بكين.

وتزيد هذه الفجوة من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية دائمة.

وفي الوقت نفسه، تحاول تايبيه الجمع بين مسارين قد يبدوان متناقضين: تعزيز القدرة العسكرية بصورة مستمرة من جهة، والإبقاء على إمكانية الحوار وتجنب الحرب من جهة أخرى.

أما الصين فترى أن المشكلة الأساسية ليست نقص الحوار العسكري أو السياسي، بل الاتجاهات التي تعتبرها انفصالية والتدخل الخارجي، خصوصاً الدعم العسكري الأمريكي.

كينمن.. ذاكرة الماضي وإنذار للمستقبل

بعد ثمانية وستين عاماً، لم تعد كينمن مجرد جزيرة شهدت واحدة من أبرز معارك الحرب الباردة في آسيا.

فموقعها على مسافة قصيرة للغاية من الساحل الصيني يجعلها نموذجاً مصغراً للمشكلة الأكبر في مضيق تايوان: قرب جغرافي شديد يقابله انقسام سياسي وعسكري عميق.

وفي عام 1958 كان الخطر يتمثل في المدفعية والطائرات والسفن الحربية. أما اليوم فقد أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً، مع دخول الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والأقمار الاصطناعية والحصار البحري والعمليات الرمادية في الحسابات العسكرية.

ولهذا تحمل ذكرى معركة 23 أغسطس معنى يتجاوز إحياء حدث تاريخي. فهي تأتي في لحظة تعيد فيها تايوان بناء استراتيجيتها الدفاعية، وترفع إنفاقها العسكري إلى مستويات قياسية، بينما تواصل الصين توسيع قدراتها العسكرية ونشاطها حول الجزيرة.

وبينما تتمسك بكين بمبدأ أن تايوان جزء من أراضيها، تراهن تايبيه على أن تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها يمكن أن يمنع فرض تغيير بالقوة.

وبذلك تبقى معادلة مضيق تايوان قائمة على توازن بالغ الحساسية: تايوان تسعى إلى جعل تكلفة الحرب مرتفعة بما يكفي لمنعها، والصين تسعى إلى إبقاء الضغط العسكري والسياسي كافياً لمنع تحول الانفصال الفعلي القائم منذ عقود إلى انفصال دائم.


مدار الساعة ـ