أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الملك يبحث عن حصة الأردن من المستقبل


أ.د. نورس شطناوي

الملك يبحث عن حصة الأردن من المستقبل

مدار الساعة ـ

ليست كل الزيارات الرسمية متشابهة؛ بعضها يُقاس بعدد اللقاءات والاتفاقيات، وبعضها الآخر يُقرأ من خريطة الطريق التي اختارها الزائر. وفي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الحالية إلى الصين، تبدو المحطات بحد ذاتها جزءاً من الرسالة: شنغهاي، شنجن، ثم بكين. من الاقتصاد والتكنولوجيا إلى القرار السياسي، ومن البحث عن الاستثمار إلى البحث عن موقع للأردن في اقتصاد يتغير بسرعة غير مسبوقة.

الزيارة، وهي التاسعة لجلالة الملك إلى الصين منذ تسلمه سلطاته الدستورية، تأتي فيما يستعد البلدان العام المقبل للاحتفال بمرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. لكنها في مضمونها لا تبدو احتفالاً بالماضي بقدر ما هي محاولة لرسم شكل العلاقة في العقود المقبلة.

ومن يتابع برنامج الزيارة يلاحظ أن التكنولوجيا لم تكن تفصيلاً جانبياً فيها.

في شنغهاي، زار جلالة الملك شركة AgiBot، إحدى الشركات الصينية الرائدة في صناعة الروبوتات، واطلع على تطبيقاتها في الصناعة والخدمات اللوجستية والضيافة والأمن، وكان لافتاً تأكيد جلالته على التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأردنية في تطوير تطبيقات الروبوتات وتبادل الخبرات.

ثم جاءت شنجن، المدينة التي تحولت خلال عقود قليلة من مدينة محدودة الحجم إلى واحد من أهم مختبرات التكنولوجيا والابتكار في العالم. هناك، لم يكن المشهد مجرد جولة في معرض تقني؛ روبوتات، حلول للنقل الجوي المتقدم، وخدمات لوجستية ذكية، واجتماعات مع شركات تبحث مستقبل التنقل والتوصيل والصناعة. الرسالة هنا أعمق من مشاهدة التكنولوجيا: الأردن يريد أن يكون شريكاً فيها، لا مستهلكاً لها فقط.

وهذه ربما أهم أبعاد الزيارة.

فالتحدي الذي يواجه الدول الصغيرة اليوم لم يعد امتلاك الموارد الطبيعية وحدها، وإنما قدرتها على امتلاك المعرفة واستقطاب التكنولوجيا وتحويل موقعها الجغرافي وكفاءاتها البشرية إلى قيمة اقتصادية. والأردن، بما يملكه من استقرار وموقع يتوسط المنطقة وقاعدة بشرية متعلمة، يستطيع أن يقدم نفسه للشركات الصينية ليس كسوق يضم بضعة ملايين من المستهلكين، بل كمنصة إقليمية يمكن الانطلاق منها نحو أسواق أوسع.

ولهذا كان جلالة الملك واضحاً في لقاءاته مع الشركات الصينية عندما تحدث عن موقع الأردن الاستراتيجي وبيئة الأعمال والإمكانات المتاحة لتوسيع أعمال الشركات في المملكة والمنطقة. وفي بكين، اتسعت دائرة القطاعات لتشمل الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.

وهنا ننتقل من البعد التكنولوجي إلى البعد الاقتصادي.

الصين أصبحت، وفق تصريحات السفير الصيني في عمّان، الشريك التجاري الأول للأردن عام 2025، مع تجارة ثنائية تجاوزت 6.7 مليار دولار، فيما تتجاوز الاستثمارات الصينية في المملكة ثلاثة مليارات دولار. هذه الأرقام مهمة، لكن الأكثر أهمية هو طبيعة العلاقة الاقتصادية التي نريدها مستقبلاً: هل تبقى الصين مصدراً رئيسياً لما نشتريه، أم تتحول إلى شريك فيما ننتجه ونصدره؟

الفارق بين الحالتين كبير.

المطلوب ليس زيادة حجم التجارة وحدها، وإنما جذب المصانع، ونقل التكنولوجيا، وبناء مراكز للبحث والتطوير، وربط الشركات الصينية بالجامعات الأردنية، والدخول معها في سلاسل التوريد الإقليمية. عندها فقط تتحول الأرقام التجارية إلى وظائف وخبرات وصادرات وقيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني.

حتى السياحة حضرت بمنطق مختلف. اجتماع جلالة الملك مع مجموعة Trip.com لم يقتصر على دعوة السياح الصينيين إلى الأردن، بل تناول التسويق الذكي للوجهات السياحية والربط الجوي بين البلدين. وفي سوق سياحي صيني يُعد من الأكبر عالمياً، فإن حصة صغيرة منه قد تصنع فارقاً كبيراً في البترا ووادي رم والبحر الميت والعقبة وغيرها من الوجهات الأردنية.

وهناك بعد آخر ربما لا يقل أهمية: التعلم من التجربة الصينية نفسها.

لقاء جلالة الملك مع لجنة مراقبة وإدارة الأصول المملوكة للدولة الصينية حمل إشارة مهمة إلى الاهتمام بتجربة الصين في تطوير الشركات التابعة للدولة والحوكمة والإدارة. وهذا النوع من اللقاءات يكشف أن الزيارة لا تبحث فقط عن الأموال، بل عن النماذج والخبرات التي يمكن دراستها والاستفادة مما يناسب الواقع الأردني منها.

أما سياسياً، فالعلاقة مع بكين تمنح الأردن مساحة إضافية في سياسته الخارجية المتوازنة. الصين قوة اقتصادية وسياسية عالمية كبرى وحضورها في الشرق الأوسط يتزايد، وقد أكد جلالة الملك قبيل الزيارة أهمية دورها في دعم السلام والأمن الدوليين والمساهمة في الدفع نحو حل الدولتين. الأردن هنا لا يستبدل شراكة بأخرى، بل يفعل ما اعتاد عليه في سياسته الخارجية: توسيع شبكة العلاقات مع الحفاظ على ثوابته وتحالفاته ومصالحه الوطنية.

لكن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بما يجري في الصين.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد عودة الوفد إلى عمّان.

فكل شركة أبدت اهتماماً تحتاج إلى ملف متابعة، وكل فرصة تعاون تحتاج إلى جهة مسؤولة وجدول زمني، وكل مذكرة تفاهم يجب أن يكون السؤال بعدها: ماذا تحقق منها بعد ستة أشهر أو عام؟

الصين لا تبني تجربتها بالشعارات، بل بسرعة التنفيذ. وربما يكون أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه الزيارة هو ذلك تحديداً.

فالملك يطرق أبواب اقتصاد المستقبل، وما علينا في الداخل إلا أن نكون مستعدين عندما تفتح تلك الأبواب.

مدار الساعة ـ