أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الأمية الى الذكاء الاصطناعي.. الصين تُعلّم العالم


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

من الأمية الى الذكاء الاصطناعي.. الصين تُعلّم العالم

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

حين تبحث عن سرّ نهضة أمة، لا تسأل عن مصانعها أو ناطحات سحابها، بل اسأل عن مقاعد الدراسة فيها. فكل قوة عظمى وُلدت أولًا في صفٍّ دراسي قبل أن تُولد في مصنعٍ أو بورصة. والصين، التي تحوّلت خلال خمسة عقود من بلدٍ يصارع الفقر إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لم تصنع معجزتها بالصدفة، بل صنعتها على مقاعد الدراسة، جيلًا بعد جيل، حتى وصلت اليوم إلى لحظة فارقة: أن تجعل من الذكاء الاصطناعي شريكًا في تعليم كل طفل صيني، من القرية النائية إلى قلب بكين.

قبل عقود قليلة، كان التعليم في الصين امتيازاً، والأمية واسعة الانتشار، والمدارس الريفية شحيحة الموارد، والفجوة بين المدينة والريف عميقة كالهوة. مع بداية الإصلاح والانفتاح في أواخر السبعينيات، أدركت الصين أن أي طموح اقتصادي لن يتحقق دون جيشٍ من العقول المتعلمة، فانطلقت حملات محو الأمية، وتوسّعت شبكة المدارس الإلزامية، وأُعيد فتح الجامعات المغلقة. لم تكن تلك إجراءات متفرقة، بل بداية مسار إصلاح مؤسسي متماسك، رسّخ قناعة ما تزال تحكم قرار الدولة حتى اليوم: أن التعليم ليس قطاعًا خدميًا، بل مشروع سيادي تُبنى عليه الدولة بأكملها.

ولم يُبنَ هذا الصعود من فراغ فكري، بل هو محصلة تراكم فلسفي أعاد تعريف وظيفة التعليم في بناء الإنسان والدولة معًا. فمن كونفوشيوس، الذي جعل التعلّم والانضباط الأخلاقي وتكوين الإنسان أساسًا لإصلاح المجتمع، إلى تساي يوانبي، الذي دافع عن استقلال الفكر وتعدد مجالات المعرفة، وتاو شينغتشي، الذي ربط التعليم بالحياة والعمل والمجتمع لا بالحفظ المجرد، وصولًا إلى دينغ شياو بينغ، الذي وضع العلم والتعليم والتكنولوجيا في قلب مشروع التحديث الوطني، تشكلت فلسفة تعليمية صينية مركّبة: التعليم أداة لبناء الإنسان الأخلاقي والمفكر المستقل في آن واحد، وهو في الوقت نفسه بنية تحتية للقوة الوطنية لا تقل أهمية عن الصناعة والجيش. وهذه الفلسفة المزدوجة، التي تجمع بين تهذيب الفرد وخدمة الدولة، هي الخيط الخفي الذي يفسر لماذا لا ترى الصين تناقضًا بين ضبط مركزي صارم للتعليم ومنح الجامعات هامشًا واسعًا للابتكار: فالغاية واحدة مهما تعددت الأدوات.

وهذا الانضباط المؤسسي نفسه هو ما يفسر كيف تحوّل التعليم في الصين إلى منظومة شاملة، وكيف بدأت جامعاتها تتصدّر قائمة الجامعات العالمية. فجوهر التجربة الصينية أن الدولة لا تكتفي بوضع الخطط الاستراتيجية المتتالية، بل تبني منذ اللحظة الأولى منظومة صارمة لمتابعة تنفيذها وقياس نتائجها ومساءلة المسؤولين عنها، من الوزارة والمؤسسات المركزية، مرورًا بالمناطق والجامعات، وصولًا إلى المدرسة والمعلم، بحيث لا تُقاس الخطة بما تقوله، بل بما تحققه فعليًا على الأرض. وهذا الانضباط هو الذي سمح للتعليم الصيني بالتحول من مشروع لتوسيع فرص التعليم إلى منظومة وطنية واسعة تربط المدرسة بالجامعة، والجامعة بالبحث العلمي، والبحث بالاقتصاد والابتكار، حتى أصبحت الجامعات الصينية تنافس في الصفوف الأولى عالميًا، وأصبح ملايين الخريجين في العلوم والهندسة والتكنولوجيا أحد أهم روافع الاقتصاد الحديث.

جزء أساسي من هذا الانضباط يتجسد في منظومة مستقلة لرقابة الجودة تلاحق المؤسسة التعليمية من الصف الأول إلى أعلى مراتب الدراسات العليا: معايير معتمدة لتقييم أداء المدارس، وهيئات اعتماد أكاديمي تراجع برامج الجامعات دوريًا قبل الترخيص لها أو تجديد اعتمادها، ومؤشرات وطنية تكشف مبكرًا أي تراجع في مخرجات التعلّم قبل أن يتحول إلى فاقد تعليمي متراكم يصعب تعويضه لاحقًا.

فالدولة التي تراجع اكثر من 12000 برنامج جامعي دفعة واحدة لا تفعل ذلك من فراغ، بل لأن جهاز الرقابة فيها مصمم أصلًا ليكتشف الخلل بسرعة، لا لينتظر أن تكشفه أزمة وطنية بعد فوات الأوان. وهذا بالضبط ما يميز الفلسفة الصينية عن كثير من التجارب الأخرى: الوقاية من الفاقد التعليمي، والمحافظة على الجودة، ومواكبة التطورات جزء من تصميم النظام لا استجابة لاحقة له.

لكن التحول الأعمق لم يكن في حجم المنظومة ولا في عدد خريجيها، بل في الفلسفة التي تحكم مستقبلها؛ فقد انتقلت الصين من شعار "تعليم الجميع" إلى طموح أكثر تقدمًا هو "تعليم رقمي للجميع". ومع إطلاق منصة "التعليم الذكي الصيني"، لم تتعامل وزارة التعليم مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما أداتين تقنيتين إضافيتين، بل باعتبارهما جزءًا من إعادة بناء العملية التعليمية نفسها، من طريقة التعلم والوصول إلى المعرفة، إلى تدريب المعلمين وإدارة المدارس وتطوير المناهج، سعيًا لبناء نظام تعليمي قادر على تجاوز المستوى العالمي المتقدم بحلول عام 2035.

ومع ذلك تدرك الصين أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع هذا التحول، فالشرط الحاسم أن يكون المعلم والإداري والمؤسسة قادرين جميعًا على العمل داخل النظام الجديد. ولذلك فإن التجربة الصينية لا تقول إن مستقبل التعليم هو الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تقول شيئًا أعمق: إن هذا المستقبل يتحدد بقدرة الدولة على بناء مؤسسة تتعلم باستمرار، وتقيس نتائجها، وتصحح أخطاءها، وتعيد تصميم نفسها قبل أن يفرض عليها المستقبل ذلك.

ولا يمكن فهم هذا الانضباط بمعزل عن طبيعة القيادات التي تدير قطاع التعليم، عامًا كان أم عاليًا، فهي قيادات تحويلية بامتياز لا إدارية بالمعنى التقليدي. القيادة الإدارية تكتفي بتسيير الوضع القائم، أما التحويلية فتعيد تشكيل بنية المؤسسة من جذورها، وتتحمل كلفة المواجهة، ولا تخشى المساس بتوازنات راسخة إن وقفت عائقًا أمام هدف وطني أكبر. والمسؤول التعليمي الصيني، وزيرًا كان أم رئيسًا لجامعة أم عميدًا فيها أم مديرًا إقليميًا، يعمل ضمن منظومة تقييم أداء صارمة تربط ترقيته وبقاءه ومحاسبته بمؤشرات إنجاز واضحة لا بخطاب إعلامي، وهو ما يفرض عليه تفكيرًا تنفيذيًا من اليوم الأول، لا إدارة أزمات وتسكينًا للوقت.

ويظهر هذا الفارق جليًا داخل الجامعات نفسها، حيث لا تكتفي القيادات بالموافقة الشكلية على توجهات وزارية، بل تتحول إلى فاعل تنفيذي مباشر، كما تُظهره تجربة جامعة فودان مثلًا في إطلاق أكثر من مئة مقرر مرتبط بالذكاء الاصطناعي و41 برنامجًا بينيًا خلال فترة قصيرة. قرارات كهذه لا تصدر عن قيادة مترددة، او مسكنة، بل عن قيادة تحويلية تمتلك إرادة لإعادة توزيع الموارد بين الكليات، واستحداث تخصصات جديدة كليًا، وإلزام أعضاء هيئة التدريس بدمج مهارات جديدة، حتى لو واجهت مقاومة داخلية من أقسام معتادة على نموذجها القديم.

وتستمد هذه القيادات جرأتها من غطاء سياسي مركزي واضح، لا غطاء يُستخدم لتمرير الأمر الواقع أو تجميل الحقائق، او تشوييها، ومن استقرار وظيفي يسمح لها برؤية القرار يكتمل بدل أن يُقطع مساره مع أول تغيير إداري، وهذا ما يجعل القرارات الكبرى مسارًا تراكميًا لا تجارب منقطعة.

وينعكس النمط ذاته إقليميًا: فبكين اختارت الانضباط المنهجي الموحد، وشنجن اختارت السرعة والشراكة المباشرة مع القطاع التقني، وتشجيانغ اختارت التدرج المتوازن، وهو تنوّع في أسلوب التنفيذ داخل إطار هدف وطني واحد لا يقبل المساومة. فبحلول نهاية 2025 بلغت نسبة اعتماد الذكاء الاصطناعي في مدارس بكين نحو 87.7 بالمئة، وفي شنجن يحصل الطلاب على دروس منتظمة فيه منذ 2021، بتركيز على التفكير النقدي في مصداقية إجابات النماذج الذكية لا على استخدامها استخدامًا سلبيًا فقط، وهو ما يكشف أن الهدف بناء عقل نقدي لا مجرد مستخدم للتكنولوجيا.

وعلى المستوى نفسه من الدقة، تعكس هيكلة التعليم العالي منطق التخطيط المركزي المقترن بحرية أكاديمية موجّهة. فوزارة التعليم لا تكتفي بالإشراف العام، بل تراجع دوريًا منظومة البرامج الأكاديمية في الجامعات، وتعمل على إلغائها أو استحداثها وفق حاجة سوق العمل والأولويات الوطنية، وقد ألغت وجمّدت مؤخرًا ما يزيد على 12,200 برنامج أكاديمي لم يعد يخدم سوق العمل، واستحدثت في الوقت ذاته نحو 10,200 برنامج جديد ضمن هذه المراجعة الدورية، تتركز غالبيتها في حقول اعتبرتها الدولة استراتيجية: الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، أشباه الموصلات والدوائر المتكاملة، الطاقة الجديدة والمركبات الكهربائية، التقنية الحيوية والطب الدقيق، الفضاء والملاحة، والأمن السيبراني وغيرها. هذا النهج يعني أن الجامعة الصينية لا تُبقي على تخصص تقليدي بحكم العادة، بل تُخضعه لمراجعة مستمرة:

يُدمج مع غيره، أو يُطوَّر، أو يُلغى إن لم يعد يخدم الاقتصاد الوطني، بينما تُفتح الأبواب بسرعة أمام حقول ناشئة بمجرد ظهور حاجة حقيقية لها. وبهذا تتحول الجامعة من مؤسسة تحافظ على إرثها الأكاديمي فقط، إلى أداة تخطيط اقتصادي حي، تُقاس قيمتها بقدرتها على إنتاج الكفاءات التي يحتاجها الغد لا التي احتاجها الأمس.

وهنا يكمن أحد أهم دروس النموذج الصيني: الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بخطة تُعلن ثم تُترك للميدان، بل بمنظومة متدرجة من الخطط يكمّل بعضها بعضًا، من تحديد الهدف الوطني، إلى الإعداد والتقييم، وأخيرًا التعميم الإلزامي. فمنذ خطة 2018 لابتكار الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، وصولًا إلى خطة "الذكاء الاصطناعي + التعليم" الشاملة في أبريل 2026 التي تستهدف عام 2030 بالكامل، تكشف كل محطة عن دولة تبني قرارها طبقة فوق طبقة، لا عن قرارات معزولة يُلغي كل منها ما سبقه. وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة تضع الخطط ودولة تدير الإصلاح: الأولى تنتج استراتيجية جديدة كل بضع سنوات، والثانية تبني نظامًا تتراكم فيه الخطط والخبرات بحيث لا تبدأ كل مرحلة من جديد، بينما تتحدد الأولويات مركزيًا وتتعدد مسارات التنفيذ إقليميًا ومؤسسيًا.

والأهم أن الإصلاح لا يُقاس بعدد الخطط المُعلنة، بل بقدرة الدولة على تحويل الخطة إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتائج تُقاس بمؤشرات محددة: نسب تطبيق فعلية، أعداد معلمين مدرَّبين، برامج معتمدة، ومواعيد نهائية لا تحتمل التأجيل. فكل مستوى إداري، من الوزارة إلى قيادة الجامعة إلى المدرسة الفردية، يُحاسَب على أدائه بالمعنى الحرفي، لا على خطابه الإعلامي، وهذا بالضبط ما تصنعه قيادة تحويلية تدرك أن الكلمات وحدها لا تبني نظامًا تعليميًا عالميًا.

من قرى كانت تُعاني الأمية، إلى فصول يتعلم فيها الأطفال كيف "يحاورون الذكاء الاصطناعي" ويتحققون من صدق إجاباته، رسمت الصين مسارًا واضحًا: التعليم استثمار استراتيجي، تقوده قيادات تحويلية تُختار لتُنجز لا لتُدير، وتُحاسَب على النتيجة لا على الخطاب. وحين نضع هذه التجربة أمامنا اليوم، نكتشف أننا لا نقرأ قصة نجاح بعيدة عنا، بل مرآة تكشف حجم المسافة بين ما هو ممكن وما هو قائم. لقد أعددنا هذا المقال لنؤسس لفهم مشترك حول ما تعنيه القيادة التحويلية فعلًا حين تُمنح الثقة والاستمرارية. وفي مقال لاحق، سننتقل من هذا النموذج الصيني إلى النموذج الاردني في التعليم، لنضع التجربتين وجهًا لوجه، ولنسأل: من يملك الإرادة والاستمرارية الكافية ليحوّل الوعي بما يجب فعله إلى واقع ملموس، كما فعلت الصين بالضبط؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ