ليس السؤال ترفاً، ولا هو دعوة إلى امتياز جديد، ولا محاولة لفتح باب جديد للمحاصصة في التعليم الجامعي. السؤال أبسط وأكثر وجعاً: لماذا يحق لبعض أبناء من خدموا الدولة أن يحصلوا على مسارات خاصة في التعليم الجامعي، بينما يُترك أبناء الموظف المدني الذي أفنى عمره في خدمة الوطن ليواجهوا مصيرهم وحدهم؟
في الأردن، نعرف المكارم الجامعية، ونعرف المكرمة الملكية لأبناء العسكريين، ومكرمة أبناء المعلمين، ومكرمة أبناء المخيمات، ومكرمة أبناء مدارس البادية والمدارس ذات الظروف الخاصة. ولكل منها ظروفها ومبرراتها وأهدافها. وليس المقصود هنا الاعتراض على أي مكرمة أو الانتقاص من حق أي فئة في الاستفادة منها.فالمشكلة ليست في وجود المكارم، بل في غياب العدالة عن شمولها.السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع هو: أين أبناء الموظف الحكومي المدني؟أين ابن الموظف الذي قضى ثلاثين عاماً في وزارة العدل؟أين ابنة الموظف الذي أمضى عمره في وزارة الصحة؟أين أبناء العاملين في القضاء، والوزارات، والدوائر الحكومية، والبلديات، والمؤسسات العامة؟أين أبناء الموظف الذي دخل الخدمة العامة شاباً، وخرج منها متقاعداً يحمل سنوات عمره على كتفيه وراتباً تقاعدياً بالكاد يكفي متطلبات الحياة؟هذا الموظف لم يخدم شركة خاصة. لم يعمل لمصلحته الشخصية. لم يبنِ ثروته من السوق. لقد خدم الدولة.كان في مكتبه عندما كانت الدولة تحتاجه.كان خلف الشباك، وعلى الطريق، وفي المحكمة، والمستشفى، والمدرسة، والدائرة الحكومية.نفذ القوانين، وطبق التعليمات، وتحمل ضغط المراجعين، وانتظر ترقيته، واقتطع من راتبه للتقاعد والضمان، ودفع الضرائب والرسوم، وربى أبناءه على أمل واحد:أن يحصلوا على تعليم جامعي يفتح لهم مستقبلاً أفضل مما عاشه آباؤهم.ثم، بعد كل هذه السنوات، تأتي لحظة الحقيقة.يتخرج الابن من الثانوية العامة، وتأتي فاتورة الجامعة.وهنا يكتشف الموظف المتقاعد، أو الموظف الذي يستهلك راتبه الغلاء والديون والإيجارات والالتزامات، أن ابنه لا يملك مقعداً مدعوماً، ولا مكرمة خاصة، ولا بعثة مرتبطة بسنوات خدمة والده للدولة.فما الذي نقوله له؟نقول له: شكراً على خدمتك... والآن دبر أمرك!أي منطق هذا؟هل أصبحت خدمة الدولة متساوية في الواجبات ومختلفة في الحقوق؟وهل الموظف في القطاع العام المدني أقل انتماءً أو أقل خدمة أو أقل استحقاقاً للتقدير من غيره؟بالطبع لا.وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: المطالبة بمكرمة لأبناء العاملين والمتقاعدين في الحكومة ليست مطالبة بإلغاء حقوق الآخرين، ولا هي منافسة بين موظف مدني وعسكري، ولا بين معلم وموظف في وزارة أخرى.لا أحد يطالب بسحب مكرمة من أبناء العسكريين.ولا أحد يعترض على دعم أبناء المعلمين.ولا أحد يريد حرمان أبناء المخيمات أو أبناء مناطق البادية من أي فرصة تعليمية.المطلوب ببساطة هو أن نسأل:إذا كانت الدولة قد اعترفت بأن خدمة فئات معينة أو ظروف مناطق معينة تستوجب دعماً خاصاً لتعليم الأبناء، فلماذا لا تعترف بأن الموظف المدني الذي أمضى عشرات السنين في خدمة مؤسساتها يستحق هو الآخر أن يجد دعماً عندما يصل أبناؤه إلى بوابة الجامعة؟الأمر الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المؤسسات والجهات الرسمية تمتلك أصلاً ترتيبات أو امتيازات لأبناء موظفيها، بينما يبقى آلاف الموظفين في الوزارات والدوائر الأخرى خارج أي إطار مماثل.أي أننا لسنا أمام مبدأ موحد.نحن أمام امتيازات متفرقة.هذه الفئة لها طريق.وتلك الجهة لها مقاعد.وهؤلاء لهم مكرمة.أما بقية الموظفين، فحظهم من الدولة التي خدموها هو أن يدخل أبناؤهم في معركة القبول الموحد، ثم معركة الرسوم، ثم معركة المنح والقروض.والنتيجة؟الموظف الذي خدم الدولة طوال عمره قد يضطر إلى الاقتراض كي يعلّم أبناءه، أو بيع ما يملك، أو تحميل ابنه ديوناً قبل أن يبدأ حياته العملية.أليس في ذلك مفارقة قاسية؟الدولة التي تطلب من موظفها الإخلاص والانتماء والانضباط والتضحية يجب أن تسأل نفسها أيضاً: ماذا قدمنا لهذا الموظف عندما احتاجتنا أسرته؟إن العدالة لا تعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه.لكنها تعني أن نضع قواعد واضحة ومنطقية ومتكافئة، وأن لا يتحول الدعم إلى امتياز مرتبط فقط بالجهة التي يعمل فيها الأب أو الأم.ولهذا فإن المطلوب ليس فتح باب «المكرمات» بلا حساب، ولا إضافة استثناء جديد إلى عشرات الاستثناءات.المطلوب هو إنشاء نظام وطني عادل لدعم التعليم الجامعي لأبناء العاملين والمتقاعدين في القطاع العام المدني.نظام واضح وشفاف، يقوم على معايير محددة، منها:- مدة الخدمة الفعلية في القطاع العام.- الوضع المالي للأسرة.- راتب الموظف أو المتقاعد.- عدد الأبناء الذين يدرسون في الجامعات.- التحصيل الأكاديمي للطالب.- إعطاء الأولوية لأبناء الموظفين والمتقاعدين ذوي الدخول المحدودة.- عدم الجمع بين أكثر من مكرمة أو بعثة كاملة.بهذه الطريقة، لا تتحول المبادرة إلى امتياز أعمى لمجرد أن الأب موظف حكومي، بل تصبح دعماً اجتماعياً عادلاً يجمع بين الخدمة والحاجة والاستحقاق والتفوق.وهنا يصبح السؤال أكبر من مكرمة جامعية:أي رسالة نريد أن نرسلها للموظف العام؟هل نقول له: اخدم الدولة أربعين عاماً، ثم اترك أبناءك يتدبرون أمرهم؟أم نقول له: الدولة التي طلبت منك أن تخدمها لن تدير ظهرها لك عندما تصل أسرتك إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الدعم؟إن الموظف العام ليس مجرد رقم في كشف الرواتب.هو إنسان.له أسرة.وله أبناء.وله أحلام وقلق والتزامات.والراتب الذي كان يكفي قبل عشرين عاماً لفتح بيت وتعليم الأبناء، لم يعد اليوم يكفي في كثير من الحالات لتغطية أساسيات الحياة.فكيف نتوقع من موظف أو متقاعد محدود الدخل أن يتحمل تكاليف تعليم جامعي تزداد عاماً بعد عام؟لقد آن الأوان لأن تتوقف الدولة عن التعامل مع دعم التعليم الجامعي باعتباره مجموعة من الامتيازات المتفرقة، وأن تبدأ ببناء سياسة وطنية عادلة.سياسة تسأل أولاً:من يحتاج؟ثم تسأل:من خدم؟ثم تجمع بين الاستحقاق والحاجة والكفاءة.أما أن يبقى أبناء آلاف الموظفين الحكوميين خارج أي مظلة خاصة، في الوقت الذي توجد فيه مسارات متعددة لفئات وجهات أخرى، فذلك أمر يستحق المراجعة.فالعدالة لا تعني أن نحرم الآخرين مما لديهم.العدالة تعني أن نسأل لماذا يُحرم هذا الموظف مما يمكن أن يستحقه أبناؤه؟ذلك الموظف الذي أمضى شبابه في خدمة الدولة، لا ينبغي أن يصل إلى مرحلة التقاعد وهو يخشى من يوم نجاح ابنه في الثانوية العامة.لا ينبغي أن يتحول نجاح الابن من لحظة فرح إلى أزمة مالية.ولا ينبغي أن تكون الجامعة حلماً مؤجلاً أو ديناً جديداً في حياة أسرة قضت سنوات طويلة في خدمة الوطن.إنصاف الموظف الحكومي لا يكون بالشعارات.ولا بكتاب شكر في نهاية العام.ولا بكلمات عن «الجندي المجهول» في مؤسسات الدولة.الإنصاف الحقيقي يكون عندما يشعر الموظف أن الدولة تتذكر أبناءه كما تتذكر خدماته.ولهذا فإن السؤال سيبقى مطروحاً:إذا كانت المكارم والبعثات الجامعية وجدت لتكريم الخدمة، ودعم الفئات، وتوسيع فرص التعليم، فلماذا لا تشمل أبناء آلاف العاملين والمتقاعدين في مؤسسات الدولة؟هؤلاء لم يطلبوا امتيازاً على حساب أحد.كل ما يطلبونه هو أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءاً من الدولة التي خدموها، لا مجرد موظفين انتهت الحاجة إليهم بانتهاء سنوات خدمتهم.خدموا الدولة سنوات طويلة... فلا تجعلوا عجزهم عن تعليم أبنائهم هو المكافأة الأخيرة.خدموا الدولة ثم عجزوا عن تعليم أبنائهم.. لماذا لا تشمل المكارم أبناء موظفي الحكومة؟
مدار الساعة ـ