أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من رؤية الطفيلة 2022 إلى قانون الإدارة المحلية 2026: عندما تسبق الفكرة التشريع


أ.د محمد الفرجات

من رؤية الطفيلة 2022 إلى قانون الإدارة المحلية 2026: عندما تسبق الفكرة التشريع

مدار الساعة ـ

في عام 2022، كتبت رؤية تنموية اقترحتها في البداية لمحافظة الطفيلة، ثم أكدت أنها يمكن أن تكون نموذجاً قابلاً للتطبيق في مختلف المحافظات الأردنية، مع مراعاة خصوصية كل محافظة وميزاتها التنافسية ومواردها واحتياجاتها.

واليوم، بعد أن أقر مجلس النواب مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، أجد أن من الإنصاف أن نعيد قراءة تلك الرؤية القديمة في ضوء التشريع الجديد.

ليس من الدقة القول إن القانون جاء نتيجة مباشرة لهذه الرؤية، ولا أملك دليلاً على ذلك.

لكن من المهم، في المقابل، تسجيل حقيقة أخرى:

هناك تقاطع واضح بين عدد من الأفكار الجوهرية التي نشرتها عام 2022 وبين الاتجاه الذي أخذه التشريع الأردني اليوم في إعادة تنظيم الإدارة المحلية.

وهذا التقاطع يستحق النقاش، ليس بحثاً عن سبق شخصي، وإنما لأن الأفكار التنموية الجادة ينبغي أن تتراكم، وأن تتحول بمرور الوقت إلى سياسات وتشريعات وممارسات تخدم الوطن.

ماذا اقترحت عام 2022؟

كانت نقطة الانطلاق بسيطة:

المحافظة الأردنية يجب ألا تبقى مجرد وحدة إدارية تنتظر قرارات وتمويل الحكومة المركزية، بل يجب أن تصبح وحدة تنموية واقتصادية قادرة على إنتاج الفرص والدخل والاستثمار.

ومن هنا اقترحت لمحافظة الطفيلة إنشاء «مجلس تنموي أعلى» يضم المحافظ، ورؤساء البلديات، ورئيس مجلس اللامركزية، ورئيس الجامعة، ومدير المنطقة الصناعية، وممثلي الموارد الاقتصادية والسياحية، إلى جانب خبراء من أبناء المحافظة.

لم يكن الهدف إنشاء مجلس إضافي لمجرد زيادة عدد المجالس.

كان الهدف إنشاء غرفة قيادة تنموية للمحافظة.

غرفة تجمع كل القوى الموجودة فيها، وتضع خطة واحدة، وتنسق الموارد والجهود، وتتابع التنفيذ وتقيس النتائج.

اليوم: القانون الجديد يعيد ترتيب المشهد

القانون الذي أقره مجلس النواب اليوم يعيد تنظيم الإدارة المحلية، ويمنح مجالس المحافظات شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، ويضع تركيبة جديدة للمجالس تقوم على تمثيل البلديات وقطاعات وفعاليات محلية مختلفة.

وهنا يظهر التقاطع الأول مع رؤيتي:

جمع مكونات المحافظة داخل إطار مؤسسي واحد، والنظر إلى المحافظة كوحدة متكاملة بدلاً من التعامل مع مؤسساتها باعتبارها جزرًا منفصلة.

لكن هناك فارق مهم.

رؤيتي عام 2022 كانت أكثر تركيزاً على المحافظة باعتبارها وحدة اقتصادية إنتاجية.

أي أنني لم أسأل فقط:

«من يمثل المحافظة؟»

بل سألت:

«كيف تصبح المحافظة منتجة؟

وكيف تستثمر مواردها؟

وكيف تخلق فرص العمل؟

وكيف تزيد دخلها؟

وكيف تتحول من متلقٍ للإنفاق إلى مساهم في الاقتصاد والخزينة؟»

وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي يجب أن ينتقل إليه النقاش بعد إقرار القانون.

المحافظ ليس مجرد مدير إداري

في رؤيتي الثانية التي نشرتها قبل سنوات، طرحت بوضوح فكرة إعادة تعريف دور المحافظ وتوسيع صلاحياته التنموية.

قلت إن دور المحافظ لا ينبغي أن يبقى محصوراً في الجوانب الإدارية والأمنية والاجتماعية، بل يجب أن يكون للمحافظة قيادة قادرة على دفع عجلة التنمية والتنسيق بين:

البلديات، ومجلس المحافظة، والجامعات، والمدن الصناعية والتنموية، والهيئات المستقلة، والقطاع الخاص، والمؤسسات الحكومية.

وهنا أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً:

هل يستطيع المحافظ، ضمن الإطار الجديد، أن يكون قائداً للتنمية في محافظته؟

لأن وجود مجلس محافظة وحده لا يصنع التنمية.

نحتاج إلى قيادة، وصلاحيات، وموارد، وخطة، ومؤشرات أداء، ومساءلة.

الخطة التي طرحتها لم تكن خمسية فقط

من أهم عناصر نموذجي الذي طرحته عام 2022 أنني اقترحت إعداد:

مخطط شمولي استراتيجي للمحافظة لمدة 20 عاماً، ينبثق عنه برنامج تنفيذي لخمس سنوات.

ولم أطرح الخطة كشعار عام، بل وضعت أهدافاً قابلة للقياس في نموذج الطفيلة، منها:

- تشغيل ما لا يقل عن 5 آلاف شاب وشابة.

- الوصول إلى دخل سنوي للمحافظة يبلغ 100 مليون دينار خلال السنوات الخمس الأولى.

- زيادة أعداد السياح.

- زيادة مدة إقامة السائح.

- تنويع المنتج السياحي.

- تطوير الصناعة والاستثمار.

- إنشاء حاضنات ابتكار وأعمال.

- ربط الجامعة بالاقتصاد المحلي.

وهنا أعتقد أن القانون الجديد يحتاج إلى أن تتبعه مرحلة تخطيط تنموي حقيقية لكل محافظة.

فالقانون يستطيع أن ينظم المؤسسات.

لكن الخطة هي التي تحدد:

ماذا نريد أن ننتج؟ وماذا نريد أن نوظف؟ وكم نريد أن نستثمر؟ وكم نريد أن تزيد إيرادات المحافظة؟

كل محافظة يجب أن تكون لها «هوية اقتصادية»

طرحت في رؤيتي فكرة أن لا تكون المحافظات الأردنية نسخاً متشابهة.

لماذا لا تكون لدينا:

محافظة للصناعات التكنولوجية والبرمجيات؟

وأخرى للصناعات الثقيلة؟

وأخرى للابتكار والريادة؟

وأخرى للسياحة التراثية؟

وأخرى للزراعة والصناعات الغذائية؟

وأخرى للطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر؟

وأخرى للصناعات التعدينية؟

وهكذا تتكامل المحافظات، بدلاً من أن تتنافس جميعها على المشاريع نفسها والوظائف الحكومية نفسها.

العقبة مثال قائم على خصوصية اقتصادية ومؤسسية مختلفة، ويمكن البناء على تجربتها مع مراعاة خصوصية بقية المحافظات.

التمويل هو الامتحان الحقيقي

ربما تكون أهم نقطة في رؤيتي هي أنني لم أكتفِ بالحديث عن الصلاحيات.

طرحت سؤالاً أكثر صعوبة:

من أين ستمول المحافظة تنميتها؟

في نموذج الطفيلة اقترحت مصادر تمويل متعددة، منها:

- الاستفادة من جزء من عوائد النشاط السياحي وفق ترتيبات قانونية.

- مساهمة حكومية محددة خلال السنوات الأولى.

- استثمار أراضي المدينة الصناعية.

- تطوير أراضي الخزينة وفق خطط ومعايير شفافة.

- استثمار الموارد المحلية.

- تحفيز الصناعة.

- الشراكة مع القطاع الخاص.

- تحويل الموارد الاقتصادية الموجودة إلى مشاريع مدرة للدخل.

ثم طرحت لاحقاً، من خلال منتدى الابتكار والتنمية، فكرة دراسة إعادة هيكلة مديونية البلديات وجامعات الأطراف، بحيث تخف أعباؤها المالية وتستطيع توجيه مواردها إلى التنمية والخدمات والابتكار.

لأنني أؤمن أن:

الاستقلال الإداري والمالي من دون موارد مالية مستدامة قد يبقى استقلالاً على الورق.

الجامعة ليست جزيرة منفصلة

في نموذج الطفيلة، وضعت جامعة الطفيلة التقنية إلى جانب البلديات والمدينة الصناعية والفوسفات والسياحة والمحمية.

لماذا؟

لأن الجامعة يجب أن تكون جزءاً من اقتصاد المحافظة.

نريد منها:

البحث العلمي التطبيقي، والابتكار، وحاضنات الأعمال، وتأهيل الشباب، وتطوير الصناعات المحلية، وحل مشكلات المحافظة.

أي أن الجامعة لا تكون فقط مكاناً يمنح الشهادات، بل محركاً معرفياً واقتصادياً.

من المجتمع إلى القرار

اقترحت كذلك إنشاء مجلس استشاري من أبناء المحافظة، يتم اختياره أو انتخابه وفق معايير عادلة، ليكون حلقة وصل بين المجتمع والمجلس التنموي.

وهذه الفكرة تنطلق من قناعة بأن التنمية لا تُفرض بالكامل من أعلى.

المجتمع المحلي يعرف احتياجاته، ويجب أن يشارك في تحديد الأولويات ومراقبة النتائج.

وهنا يمكن أن تصبح الإدارة المحلية الجديدة أكثر قرباً من المواطن وأكثر قدرة على اكتشاف الفرص الموجودة فعلياً في المحافظات.

ماذا يعني ذلك اليوم؟

بعد إقرار القانون، أعتقد أن الأردن أمام فرصة للانتقال من مرحلة:

«إدارة المحافظات»

إلى مرحلة:

«تنمية المحافظات».

وهذا فرق كبير.

إدارة المحافظة تعني أن تسير المعاملات والخدمات.

أما تنمية المحافظة فتعني أن نعرف:

كم مشروعاً استثمارياً أنجزنا؟

كم فرصة عمل خلقنا؟

كم زاد دخل المحافظة؟

كم مستثمراً استقطبنا؟

كم شركة ناشئة خرجت من جامعاتنا؟

كم منتجاً محلياً أصبح قابلاً للتصدير؟

وكم انخفضت البطالة؟

هذه هي المؤشرات التي يجب أن نحاسب أنفسنا عليها.

هل سبقت الرؤية القانون؟

مرة أخرى، لا أقول إن القانون أُقر بسبب ما كتبته.

ولا أقول إن نصوصه مأخوذة من مقالاتي.

هذا يحتاج إلى إثبات لا أملكه.

لكنني أقول شيئاً أعتقد أنه يستحق التوثيق:

لقد نشرت عام 2022، وعلى نطاق واسع، تصوراً واضحاً لتحويل المحافظات إلى وحدات تنموية واقتصادية، يقوم على مجلس تنموي، وتكامل المؤسسات، والخطط طويلة الأجل، وتوسيع دور المحافظ، والتمويل المحلي، والاستثمار، وربط الجامعات بالتنمية، وقياس الأداء.

واليوم، بعد أربع سنوات، يأتي قانون جديد ليعيد بناء الإطار المؤسسي للإدارة المحلية باتجاه يتقاطع مع عدد من هذه الأفكار.

وهذا ليس سبباً للمطالبة بالفضل.

بل سبب للتأكيد على أن:

الأفكار الجادة التي تطرح مبكراً قد تحتاج سنوات حتى تجد طريقها إلى التشريع والسياسات العامة.

من الطفيلة إلى الأردن

بدأت الفكرة من الطفيلة.

لكنني قلت منذ البداية إنها ليست للطفيلة وحدها.

فالطفيلة لها مثلا ميزة ضانا والفوسفات والجامعة والصناعات والطاقة والسياحة.

ومعان لها مثلا ميزة البترا والشوبك والبادية والثروات المعدنية والمساحات الواسعة.

والكرك لها ميزة التراث وتاريخها الزراعي والصناعي والسياحي والجامعي.

وعجلون وجرش لها ميزة الغابات والسياحة والمنتجات الزراعية.

والمفرق لها الزراعة والموقع الجغرافي والحدود.

والبلقاء ومادبا لها إمكانات صناعية وزراعية وسياحية تراثية.

والزرقاء لها قاعدة صناعية وسكانية وبنية اقتصادية واسعة.

وإربد لها الزراعة والجامعة والاقتصاد المعرفي.

والعقبة لها الميناء والسياحة والاقتصاد البحري واللوجستي والمنطقة الاقتصادية الخاصة.

لا توجد محافظة بلا ميزة؛ المشكلة أحياناً أننا لم نبنِ حول ميزتها نموذجاً اقتصادياً متكاملاً.

واليوم أكرر الاقتراح بصورة أكثر تطوراً

أقترح أن تكون الخطوة التالية بعد إقرار القانون:

إعداد «العقد التنموي» لكل محافظة.

وثيقة تنفيذية ملزمة زمنياً، تتضمن:

1. الميزة التنافسية للمحافظة.

2. خريطة استثمارية.

3. خريطة استعمالات الأراضي.

4. المشاريع ذات الأولوية.

5. مصادر التمويل.

6. الشراكات مع القطاع الخاص.

7. دور الجامعة.

8. فرص العمل المستهدفة.

9. الإيرادات المستهدفة.

10. مؤشرات أداء سنوية.

11. مسؤولاً واضحاً عن كل هدف.

12. آلية متابعة ومساءلة أمام الحكومة ومجلس المحافظة والمجتمع.

وعندها فقط يصبح قانون الإدارة المحلية أداة للتنمية الاقتصادية وليس مجرد قانون لتنظيم الهياكل.

كلمة أخيرة

كتبت رؤيتي عام 2022 لأنني كنت أرى أن المحافظات الأردنية تختزن فرصاً اقتصادية وتنموية أكبر بكثير مما نستثمره فيها.

ونشرتها على نطاق واسع، وطرحت بعدها أفكاراً داعمة لها، من إعادة هيكلة مديونية البلديات وجامعات الأطراف، إلى تعزيز دور المحافظين، وإلى بناء خطط تنموية استراتيجية للمحافظات، وربط الجامعات والقطاع الخاص والبلديات والموارد المحلية في منظومة واحدة.

واليوم، بعد إقرار قانون الإدارة المحلية الجديد، أعود إلى الفكرة لا لأقول:

«لقد قلت لكم ذلك من قبل»

بل لأقول:

«لقد حان الوقت لتجربة ذلك فعلاً».

فالقانون يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة.

لكن النجاح لن يقاس بعدد مواد القانون، ولا بعدد المجالس التي ستتشكل.

سيُقاس عندما نرى:

مصانع جديدة، واستثمارات جديدة، وسياحاً أكثر، وشركات ناشئة، وصادرات، ومشاريع، وشباباً يجدون عملاً في محافظاتهم، ومحافظات تنتج دخلاً بدلاً من انتظار الإنفاق.

وهنا أرى أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة ليس فقط على الإدارة المحلية، وإنما على الاقتصاد المحلي.

منذ عام 2022 كنت أطرح أن تكون المحافظات الأردنية محركات اقتصادية تنموية. واليوم أصبح لدينا إطار تشريعي جديد يمكن أن يساعد على تحويل هذه الرؤية من فكرة منشورة إلى نموذج وطني قابل للتطبيق.

والأردن الذي نريده هو الأردن الذي لا تكون فيه المحافظة عبئاً على المركز، بل شريكاً في الإنتاج، والتنمية، والتشغيل، ورفد الخزينة، وصناعة المستقبل.

مدار الساعة ـ