لم تعد العلاقات الأردنية الصينية تقف عند حدود التجارة والاستثمار، بل تتجه نحو بناء شراكة تقوم على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار. وهذه المجالات تمنح العلاقة بين البلدين بعداً يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة إلى بناء الإنسان والمعرفة، وهما عنصران يمكن أن يستمرا لعقود.
وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، التي بدأت في 18 آب 2026 بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، في هذا السياق. وهي الزيارة التاسعة لجلالته إلى الصين منذ توليه سلطاته الدستورية، وتشمل بكين وشنغهاي وشنتشن. وتمثل الزيارة فرصة لتعزيز التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا، إلى جانب الاقتصاد والاستثمار.ويشكل التعليم أحد أهم جسور التواصل بين البلدين. فقد درس أكثر من 600 طالب أردني في الجامعات الصينية، في تخصصات تشمل الطب والهندسة وعلوم الفضاء والذكاء الاصطناعي واللغة الصينية، فيما يدرس في الجامعات الأردنية نحو 700 طالب صيني. كما استفاد أكثر من 2000 مسؤول وفني أردني من برامج تدريب قدمتها الصين خلال السنوات الماضية، وهو ما يعكس أن التعاون لم يعد مقتصراً على التعليم الجامعي، بل امتد إلى بناء القدرات ونقل الخبرات.وفي مجال اللغة الصينية، تطور المشهد الأردني بصورة واضحة. فقد أصبحت اللغة الصينية تدرس في عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية، وبلغ عدد دارسيها أكثر من 3000 طالب، إلى جانب وجود 7 مراكز رسمية لتعليم اللغة الصينية في المملكة. كما يوجد في الأردن معهدان كونفوشيوس، أحدهما في جامعة فيلادلفيا والآخر معهد طلال أبوغزاله كونفوشيوس.وتطور تعليم الصينية من الدورات إلى البرامج الأكاديمية. فقد بدأت الجامعة الأردنية برنامج البكالوريوس في اللغتين الصينية والإنجليزية، ثم توسع التعليم الجامعي للغة الصينية في جامعات أخرى. وفي عام 2025 أطلقت جامعة فيلادلفيا برنامج ماجستير اللغة الصينية، وهو الأول من نوعه في الأردن، ويتكون من 33 ساعة معتمدة. وهذا التطور يعكس انتقال اللغة الصينية من مجال التعريف بالثقافة إلى مجال أكاديمي يمكن أن يرتبط بسوق العمل والبحث العلمي.لكن الأهم في المرحلة المقبلة هو الانتقال من تعليم اللغة الصينية وحدها إلى تعليم الصينية مع التخصص. فالسوق يحتاج إلى مهندس يتحدث الصينية، وباحث يفهم اللغة والثقافة الصينية، ومتخصص في التجارة أو التكنولوجيا أو السياحة يستطيع التواصل مع المؤسسات الصينية. وهذا النموذج يمكن أن يجعل تعليم اللغة جزءاً من منظومة اقتصادية وأكاديمية أوسع.وتحمل تجربتي الشخصية في علوم الفضاء والفلك جانباً من قيمة هذا التعاون. فقد كنت أول طالب أردني يحصل على درجة الدكتوراه في علوم الفضاء والفلك من الأكاديمية الصينية للعلوم. وكانت الدراسة في الصين تجربة علمية أتاحت لي العمل في بيئة بحثية ترتبط بالمراصد ومراكز الأبحاث والمشاريع العلمية الدولية. وبعد عودتي إلى الأردن، انتقلت هذه الخبرة إلى التدريس والبحث العلمي وتدريب الطلبة ونقل المعرفة في مجال علوم الفضاء والفلك.وأعتقد أن علوم الفضاء يمكن أن تكون أحد المجالات التي تحمل فرصاً عملية للتعاون الأردني الصيني. فالأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن تخدم قضايا المياه والزراعة والمناخ والموارد الطبيعية والاتصالات ورصد الكوارث. وهذا يعني أن الاستثمار في علوم الفضاء لا يرتبط بالبحث العلمي فقط، بل يمكن أن يتحول إلى أدوات تساعد الأردن في التعامل مع تحدياته الوطنية.كما أن التعاون الأكاديمي بين البلدين بدأ ينتج مؤسسات بحثية تهتم بالأردن. ففي عام 2015 تأسس مركز أبحاث الأردن في جامعة الصين للعلوم الجيولوجية في ووهان، ثم تأسس مركز للدراسات الأردنية في جامعة نورث وسترن بوليتكنيك في شيآن عام 2023. وتوفر هذه المراكز مساحة لدراسة الأردن وتعزيز المعرفة المتبادلة بين الباحثين في البلدين.وتوجد اليوم اتفاقيات تعاون عديدة بين الجامعات الأردنية والصينية في تبادل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والدراسات العليا والبحث العلمي. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع محددة. برنامج دكتوراه مشترك، أو مختبر بحثي مشترك، أو مشروع في الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة وعلوم الفضاء، يمكن أن يكون أكثر أثراً من توقيع عدد جديد من الاتفاقيات.إن وجود أكثر من 600 طالب أردني في الصين، ونحو 700 طالب صيني في الأردن، وأكثر من 3000 دارس للغة الصينية، إلى جانب آلاف المستفيدين من برامج التدريب، يمثل قاعدة بشرية يمكن أن تشكل أساساً لمرحلة جديدة من التعاون.المطلوب هو تحويل هذه القاعدة إلى إنتاج معرفي. الطالب الذي يدرس في الصين يمكن أن يعود ليصبح باحثاً. والباحث يمكن أن يقود مشروعاً مشتركاً. والمشروع يمكن أن ينتج تقنية. والتقنية يمكن أن تتحول إلى خدمة أو منتج يخدم الأردن.لهذا فإن مستقبل العلاقات الأردنية الصينية لن يقاس فقط بحجم التجارة أو عدد الاتفاقيات، بل بما تنتجه الشراكة من علماء ومهندسين وباحثين ومشاريع وتقنيات. فالتعليم يبني الإنسان، والبحث العلمي ينتج المعرفة، والابتكار يحول المعرفة إلى حلول.ومن هنا يمكن أن تكون زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين فرصة لدفع هذا المسار خطوة جديدة، بحيث لا تبقى العلاقات بين البلدين علاقات بين حكومات ومؤسسات فقط، بل تمتد إلى علاقات بين الطلبة والباحثين والمختبرات والشركات والمشاريع.هذه هي الشراكة التي يمكن أن تبقى آثارها لسنوات طويلة، لأن أقوى ما يمكن أن تبنيه الدول ليس فقط مشروعاً أو اتفاقية، بل جيلاً من المعرفة والخبرات القادر على بناء مشاريع جديدة بين البلدينالتعليم والابتكار يرسمان مساراً جديداً للعلاقات الأردنية الصينية
البروفيسور علي عبد الكريم الطعاني
استاذ علوم الفضاء والفلك بجامعة البلقاء التطبيقية وخريج الاكاديمية الصينية للعلوم
التعليم والابتكار يرسمان مساراً جديداً للعلاقات الأردنية الصينية
البروفيسور علي عبد الكريم الطعاني
استاذ علوم الفضاء والفلك بجامعة البلقاء التطبيقية وخريج الاكاديمية الصينية للعلوم
استاذ علوم الفضاء والفلك بجامعة البلقاء التطبيقية وخريج الاكاديمية الصينية للعلوم
مدار الساعة ـ