أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الجامعة إلى الصفوف: فجوة يواجهها خريجو اللغة الإنجليزية وآدابها في المدارس


د. محمد أبو جاموس

من الجامعة إلى الصفوف: فجوة يواجهها خريجو اللغة الإنجليزية وآدابها في المدارس

مدار الساعة ـ

بينما تغوص أقسام اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعات في عوالم الأدب الكلاسيكي، والنظريات اللسانية المعقدة، والتحليل النقدي العميق، و نظريات الترجمة ، يواجه الخريجون الجدد فور دخولهم بوابة المدرسة واقعاً مختلفاً كلياً. فهم مطالبون بإدارة صف يضم من عشرين إلى ثلاثين طالباً من خلفيات مختلفة و بمستويات متباينة، وتصميم أنشطة تفاعلية، وتعليم مهارات التواصل الأساسية، وتطبيق استراتيجيات التدريس الحديثة. وهنا تتكشف الفجوة الحقيقية بين الأكاديمية البحتة والمهنية التطبيقية. فكلتهاهما في كفتين مختلفتين.

تاريخياً، صُممت برامج "اللغة الإنجليزية وآدابها" في كليات الآداب لتخريج باحثين، أو مترجمين، أو نقاد، أو دارسين للأدب البريطاني والأمريكي. وفي المقابل، فإن تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية في المدارس هو تخصص تطبيقي بحت يعتمد على علم نفس التعلم، وطرائق التدريس، وإدارة الصفوف، والتقييم، وفهم النظريات التربوية، و التمييز بين أنواع المنهاج، و التفريق بين تصميم المنهاج و تخطيطه و مواءمته و ادارته و تنفيذه.

تكمن المشكلة أن هذا الخريج يكتشف هذه الفجوة بعد تخرجه و عند التحاقه بالعمل في مدرسة ما. و تتمثل هذه الفجوة المعرفية والتطبيقية فيغياب البهارات العملية. إن دراسة مسرحيات شكسبير أو الشعر الفيكتوري مهمة لإثراء الثقافة العامة، لكنها لا تقدم للمعلم الناشئ أدوات عملية للتعامل مع صعوبات التعلم، أو تصميم ورقة عمل متدرجة الصعوبة، أو إدارة وقت الحصة الدراسية المكونة من خمس و أربعين دقيقة. إضافة إلى ذلك، يصدم الخريجون بالواقع الصفي. بمعنى أن المعلم الجديد يتفاجأ بتفاوت مستويات الطلبة داخل الصف الواحد، وغياب التدريب العملي الكافي (التربية العملية) مقارنة بالجانب النظري البحت في الجامعة، مما يجعله يشعر بالعجز المؤقت أمام التحديات اليومية. و لا يجب أن ننسى مهارات القرن الحادي والعشرين و التي غالبا ما يفتقر إليها الخريجون. فكما هو معروف للجميع أن المدارس الحديثة تتطلب إدماج التكنولوجيا في التعليم، والتعلم التعاوني، والتقييم المستمر، وهي جوانب غالباً ما تُهمل أو تُطرح بشكل نظرى محض في الخطط الدراسية التقليدية.

و أما بخصوص الآثار المترتبة على هذه الفجوة، فيتعرض المعلم الجديد لضغط نفسي واحتراق مهني مبكر نتيجة شعوره بعدم الجاهزية، مما يدفعه للاعتماد الكلي على التلقين والحفظ التقليدي هروباً من تعقيد إدارة الأنشطة التفاعلية. و بالتالي يتأثر تحصيل الطلبة ومستوى تفاعلهم، إذ تقتصر الحصة مثلا على سرد القواعد النظريّة بدلاً من اكتساب اللغة كوسيلة اتصال حيّة. و أما بخصوصا المنظومة التعليمية، تضطر المدارس ووزارة التربية والتعليم إلى تنظيم برامج تدريبية مكثفة وتأهيلية لسد هذه الثغرات، وهو جهد وقتي ومالي يمكن اختصاره بتطوير البرامج الجامعية من البداية.

و السؤال المهم هنا هو كيف نردم هذه الهوة؟ لتحقيق التناغم المطلوب بين مخرجات الجامعات واحتياجات المدارس، لا بد من خطوات جادة وتغييرات هيكلية في خطط كليات اللغات والتربية، و منها تحديث الخطط الدراسية و ذلك بإدخال مساقات إجبارية تطبيقية في تخصص اللغة الإنجليزية و آدابها تركز على "طرائق التدريس الحديثة"، و"اللسانيات التطبيقية"، و"تصميم المناهج". كذلك، يجب العمل على تعزيز برامج التربية العملية و ذلك بزيادة الساعات المعتمدة للتدريب العملي الميداني في المدارس، وجعله يبدأ في مراحل مبكرة من الدراسات الجامعية بدلًا من حصرها في الفصل الأخير. كما أنه يجب العمل على خلق شراكة بين الجامعات والمدارس و ذلك من خلال إشراك معلمين ميدانيين ذوي خبرة في نقل تجاربهم العملية لطلبة الجامعات، وتوفير ورش عمل دورية تسلط الضوء على واقع الغرف الصفية وتحدياتها. كما يجب العمل على ايجاد مبادرات ذاتية للتطوير المهني و ذلك من خلال هكذا مبادرات وبرامج إرشادية تجمع المعلمين الجدد بالخبراء لتوجيههم وصقل مهاراتهم التطبيقية.

إن تخصص اللغة الإنجليزية وآدابها يمتلك قيمة ثقافية ومعرفية عظيمة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن تحويل هذه المعرفة إلى أداة فاعلة داخل صفوف المدارس يتطلب جسراً متيناً يربط الجانب النظري بالجانب التطبيقي. وعندما تدرك الجامعات والمؤسسات التعليمية أن إعداد المعلم هو عملية تبدأ من قاعات المحاضرات الجامعية، سنشهد جيلاً من المعلمين القادرين على تحويل تعلم اللغة إلى رحلة ممتعة ومثمرة.

مدار الساعة ـ