مدار الساعة - المكان: كان الفرح أكبرَ من أن تَحُدَّه المقاعد أو تحيط به المدرَّجات؛ لم يكن ملعبًا رياضيًّا عاديًّا، بل مضمارَ مجدٍ وميدانَ اعتزاز، تحوَّلَ إلى فضاءٍ رحبٍ ومسرحٍ مفتوحٍ تتعاقب على خشبته أفواج الخرّيجين، جيلٌ يسلِّم جيلًا، وحلمٌ يسلِّمُ حلمًا.
عانقَت أرضُه سماءَه، وتوَّجت السّعادةُ مدرّجاته، فيما بدا بساطُه الأخضر، وقد توشّح بألوان الفرح، وكأنّه صفحةٌ كتبَت عليها حكايات سنواتٍ من الاجتهاد؛ هنا رغبةٌ وُلِدت، وهناك أمنيةٌ نضجَت، وعلى امتداده؛ أثر خطواتٍ مضَت، وأخرى في طريقها لتلحقَ بها. والأهمُّ من ذاك كلّه؛ حلمٌ غفا طويلًا، ثمّ استيقظ مكتملًا بين أيدي أصحابه.الزّمان: جاء في صيفٍ أردنيّ يعرف الجميع كيف يبدو وهجُه، لكنّه في تلك اللّيالي الاستثنائيّة حمل وهجًا آخر؛ وهجَ الفرح الذي لا تطفئه حرارة الطّقس.مساءاتٌ امتدّت على وقع الاحتفال، تلألأت فيها الأضواء، وفُتِحَت فيها الأبواب إيذانًا ببلوغ موعدٍ انتظرَته القلوب طويلًا، وقتها التقى الإنجاز بالفرح، والوداع بالدّمعة التي غلبت البسمة، والسّنوات الطّويلة بلحظةٍ واحدةٍ اختصرت الحكايةَ كلَّها.هي أيّامٌ أُقيمت على وقع البهجة والفخر وتحقيق الإنجاز، ازدحمت بالوجوه والذّكريات، وبهَدير الأصوات وعلوّ الزّغاريد، بما يليق بمقام فوجٍ عبر بموكبه من بوّابة الجامعة ومضى بها نحو المستقبل.الحدث: لم يكن احتفالًا عابرًا أو مناسبةً كباقي المناسبات؛ كان عرسَ الجامعة الأكاديميّ والوطنيّ، وموسمَ فرحها السّنويّ، ومهرجانًا غير معهودٍ اجتمعَت فيه القلوب قبل أن يجتمع فيه الحضور.أحدَ عشرَ يومًا بدَت كأنّها فصولٌ متتابعةٌ من حكايةٍ واحدةٍ؛ في كلّ يومٍ يطوي جمعٌ من أبطالها صفحةً من عمرهم، وتُفتح أمامهم صفحةٌ أخرى، فيما تقف الجامعة شاهدةً على عبورهم نحو رحابة المستقبل.الحديث هنا عن احتفالات الجامعة الأردنيّة بتخريج فوجها الحادي والسّتّين؛ "فوج الهواشم"؛ موسمٌ لم يكن مجرّد موعدٍ سنويٍّ للتّخرّج، بل حكايةَ فرحٍ امتدّت أحدَ عشرَ يومًا، انسجمت فيها التّفاصيل حتّى بدا كلّ يومٍ فصلًا جديدًا من قصّة النّجاح؛ فيه ازدحمت السّاحات بالأحلام، والمدرّجات بمشاعر الفخر والاعتزاز، والقلوب تترقّب اللّحظة التي لطالما حلم بها الخرّيجون وأهاليهم ومحبّوهم.وكما عهدناه كلّ عام، جاء موسم التّخريج ناجحًا بكلّ المقاييس، وبما يليق بالجامعة وخرّيجيها وذويهم. احتُفيَ فيه بالإنجاز لا بوصفِه نهايةَ المشوار، بل بدايةَ الطّريق؛ فتلوّنت مشاعر الفرح بين خرّيجٍ حملَ بشهادته ثمرةَ سنواته، وأهلٍ تجسّدَ أمام أعينهم حصادُ التّعب والسّهر، ودموعِ فخرٍ ترقرقت في العيون واختبأت خلف ابتساماتٍ واسعةٍ، وجامعةٍ كان لها نصيبها من الفرح بأبنائها الذين غادروا مقاعدها وقد اكتمل الحلم.كان الفرح بحقٍّ في كلّ مكان؛ في زغرودة أمّ، وفي عناقٍ اختصر سنوات الانتظار، وفي وجوه الأصدقاء، وفي عدسات الهواتف المحمولة، وفي نظراتٍ أومأت بما عجزت الكلمات عن قوله.إلّا أنّ الحكاية لم تصل إلى نهايتها بعد؛ فموسم التّخريج هذا العام جاء حافلًا بمفاجآتٍ تجاوزَت حدّ المألوف، لا سيّما في الحفل الختاميّ الذي جاء تتويجًا يليق بمقام "فوج الهواشم".سلسلةٌ من الاستعراضات المذهلة سلبَت العقول قبل الأنظار، تراءت أمام الحضور لتكتب فصولًا جديدةً من الفرح على طريقتها؛ جاءت بتنسيقٍ من وَحدة الإعلام والعلاقات العامّة والإذاعة، التي ارتأت أن تجعل لها في هذا الحفل بصمةً تظلّ عالقةً في تاريخ حفلات تخريج الجامعة، وذكرى ترافق الخرّيج كلّما تحدّث عن حفل تخرّجه.فخلال الحفل، غفت الورود على رؤوس الخرّيجين والحضور بعد إسقاطها من طائرة الهيلوكبتر التي مشّطت ميدان التّخريج إيذانًا ببدء الحفل، وكأنّها تعرف أصحاب الفرح؛ كما توهَّجت سماء الميدان بالألعاب النّاريّة، وتفرّقت في أرجائه، فيما رافقت بعضَ فقرات المَغناة التي أدّاها الفنانان الأردنيّان يحيى صويص وزين عوض بعنوان "قسَم الأردنيّة"، من كلمات الشّاعرة والأكاديميّة الدّكتورة مها العتوم، وألحان الموسيقار وائل الشّرقاوي.غدا المشهد أكبر من أن يُختَصَرَ في منصّةٍ أو حفل؛ لحظاتٌ صنعتها التّفاصيل، وحفظتها الذّاكرة، وجعلت من حفل الختام مِسكًا لموسمٍ استثنائيٍّ لم يشبه سواه.وما إن خفتت أصداء الألعاب النّاريّة، حتّى ارتفعت الموسيقى تدريجيًّا واشتدّت إيقاعاتُها، معلنةً أنّ شيئًا آخر ينتظر الحضور؛ شيئًا لم يكن معلَنًا أو مُدرجًا في برنامج الحفل بشكلٍ صريح، بل كان مفاجأةً أرادت الجامعة أن تترك من خلالها أثرًا مختلفًا وذكرى خالدةً في ذاكرة "فوج الهواشم" وذويهم وضيوف الحفل.فبينما كانت الأنظار تتوجَّه هنا وهناك ترقُّبًا لما هو آت، ارتفعت طائرات الدّرون، بحجمها الصّغير وعددها الذي قارب الألف، لتحلّق واحدةً تلوَ الأخرى في فضاء الملعب، يرافقها أزيزٌ شدّ الانتباه، قبل أن تبدأ في تشكيل لوحاتها البصريّة الضّوئيّة في طبقات السّماء.لحظاتٌ معدودةٌ فقط، حتّى تحوّلت سماء ميدان التّخريج إلى شاشةٍ عملاقةٍ مفتوحة؛ تتشكّل فيها صورةٌ ثمّ تتلاشى لتُولَدَ مكانَها أخرى، حاملةً شعاراتٍ ورموزًا وصورًا ومقولاتٍ في مشهدٍ بصريٍّ خاطف، جعل آلاف العيون تتابع بدهشةٍ، فيما تسابقت عدسات الهواتف وكاميرات الإعلاميّين لالتقاط كلّ لوحةٍ قبل أن تتغيّر.ومع كلّ لوحةٍ كانت تكتمل ملامحها، كان الهتاف يرتفع والتّصفيق يشتدّ، وكأنّ الجمهور لا يكتفي بمشاهدة العرض، بل يشارك في صناعته بالدّهشة ويبدي كلّ الإعجاب.ارتفعت صورة جلالة الملك عبدالله الثّاني المعظّم في سماء الميدان، تلتها صورة وليّ عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثّاني، في لحظاتٍ اختصرت أسمى معاني الانتماء للوطن ولقيادته. كما حضرت كلماتُ جلالة الملك: "هذه أمانتُكم رُدّت إليكم.. شموعًا مضيئة"، بين عتمة ليلِ الحفل وفوق رؤوس الخرّيجين، لتكتمل بها رسالةٌ مفادها أنّ فرحهم يكتمل حين يلتقي العِلم بالوطن والقيادة.ثم أخذ المشهد بُعدًا آخر؛ إذ بدأت ملامح جديدةٌ تتشكّل في حركةٍ دقيقةٍ ومنظّمة، وكأنّ الطّائرات أقلامٌ ترسمُ في فضاء الميدان فصولًا متتابعةً من حكاية الفوج الحادي والسّتّين. فتشكّل شعار الجامعة الأردنيّة، وتَردُّد إذاعتها 94.9، ثمّ "فوج الهواشم" وبرج السّاعة، لتغدوَ السّماء صفحةً مضيئةً كَتبَت عليها الجامعةُ رسائلها لخرّيجيها؛ وكأنّها تقول لهم إنّ ما انتهى هنا ليس سوى بدايةٍ لما هو أكبر.هذا الحدث المفاجئ لم يأتِ من فراغ؛ بل سبقه تنسيقٌ وتخطيطٌ وإشرافٌ جرى التّكتُّم عليه بعنايةٍ من قِبَل وَحدة الإعلام والعلاقات العامّة والإذاعة في الجامعة، بقيادة مديرها الدّكتور راكان أبو عرابي، الذي قرّر ألّا تكتفيَ الوَحدة بنقل مشاعر الفرح وتوثيق أجمل المشاهد والذّكريات لخرّيجي "فوج الهواشم" عبر منصّاتها الإعلاميّة، بل أراد أن تُشاركَ بأن تكتبَه هذه المرّة في أعالي السّماء.وقال أبو عرابي إنّ وحدة الإعلام والعلاقات العامّة والإذاعة أرادت أن تُضفيَ على الحفل الختاميّ شيئًا جديدًا يتجاوز المشهد المألوف في حفلات التّخرّج السّنويّة، وأن تمنح الخرّيجين لحظةً استثنائيّةً يتذكّرونها بعد سنوات.وأضافَ أنّ عرض طائرات الدّرون لم يكن هدفُه البحث عن عنصر الإبهار فحسب، وإنّما إيجاد وسيلةٍ مختلفةٍ تُحكى من خلالها قصّة الجامعة وفوجِها "الهواشم" ومدى ارتباطهما بالوطن، في لحظاتٍ معدودةٍ وبلُغةٍ بسيطةٍ يفهمها الجميع؛ مشيرًا إلى أنّ الطّائرات، وهي تحلّق فوق الميدان، كانت تحمل رسائلَ وترسمُ رموزًا وتشكّل صورًا ومعانيَ ارتبطت بمسيرة الفوج، فيما كان الحضور يتابع المشهد لوحةً بعد أخرى، وقد بدت عليه أقصى درجات الدّهشة والإعجاب.وتكمن أهمّيّة العرض، بحسب أبو عرابي، لا في لحظة تقديمه فحسب، بل في الأثر الذي سيتركه بعدها؛ فحين تصبح الصّورة جزءًا من ذاكرة الخرّيج، وتتحوّل اللّحظة إلى مشهدٍ يتناقله النّاس وتحتفظ به عدساتهم، يكون العرض قد أدّى غايته، مؤكّدًا أنّ موسمًا استثنائيًّا مثلَ موسم تخريج "فوج الهواشم" لا يكفي أن يكون ختامُه جميلًا فقط؛ ولكن استثنائيًّا أيضًا، وأن يتركَ في الذّاكرة صورةً لا يمحوها الزّمان.وهكذا، يبدو أنّ الجامعة الأردنيّة أرتأت ألّا تودِّعَ خرّيجيها من على الأرض فقط؛ وإنّما تودّعهم من أعالي السّماء أيضًا، وأن تقولَ لهم بلُغةٍ "ضوئيّةٍ" إنّ الحلم الذي نما على مقاعدها وبين صفحات كتبها وجنبات مدرّجاتها صار الآن أكبر من جدرانها، وأوسع من ميدانها، صار مفتوحًا على فضاء المستقبل.سماءُ ميدانِ تخريجِ 'فوج الهواشم' في الجامعة الأردنيّة تروي الحكايةَ وطائراتُ الدّرون تكتبها بلُغةٍ ضوئيّةٍ (صور)
مدار الساعة ـ




















