أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ملف حساس لا يناقشه أحد


ماهر ابو طير

ملف حساس لا يناقشه أحد

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

هناك ملف حساس لا يناقشه أحد في هذه البلاد، ربما لأننا في حالة انشغال بمضيق هرمز، ومصير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وحالة الجفاف التي تضرب بريطانيا.

هل يجرؤ أحد في هذه البلاد أن يخرج ويتحدث إلينا عن الحلول الواجبة لوقف الخروج من مختلف المدن الأردنية إلى العاصمة، وهي الظاهرة التي لم تأت تعبيرا عن رفاهية أو اتساعٍ وتنوعٍ في الفرص؛ بل جاءت لتعكس ضيق ظروف الحياة، وعدم وجود فرص، وغياب التنمية عن مدن الشمال والجنوب، في ظل غياب العدالة، وعدم إقامة مشاريع مناسبة لأبناء المحافظات، وانخفاض التشغيل، وغياب القطاع الخاص عن الاستثمار إلى حد كبير في أغلب المدن الأردنية، وتحديدا الكرك والطفيلة ومعان والرمثا وعجلون وإربد والسلط، والبوادي الثلاث والأغوار، مما يدفع أبناء أغلب المحافظات إلى المغادرة.

هذا ليس اعتراضا على انتقالهم إلى عمان، فهي بلادهم، وعاصمتهم، ومن حقهم أن يعيشوا ويعملوا في كل مكان، لكننا نتحدث عن أمر آخر مختلف تماما، أي غياب التنمية عن مناطق كثيرة، ولا يكون هناك حل سوى الفراغ، ويكفي أعداد المتعطلين عن العمل من الذكور والإناث في عمان وبقية المحافظات، وهي أعداد ترتفع سنويا بشكل ملموس ومعروف.

وفقاً لتقديرات دائرة الإحصاءات العامة لنهاية عام 2025، بلغ عدد سكان محافظة العاصمة حوالي 5,004,600 نسمة، ليشكلوا نحو 42 % من إجمالي عدد سكان المملكة البالغ قرابة 11.93 مليون نسمة، وبالتأكيد هذا الرقم ارتفع أيضا خلال عام 2026.

أعرف شبابا من محافظات جنوبية حصلوا على فرص في عمان مثلا، ويستأجرون معا على شكل مجموعات لتقاسم الإيجار في شقة يعيش فيها أكثر من 6 أفراد أحيانا، ويدفعون أجور مواصلات ويغرقون في أزمات عمان، وينفقون مالا إضافيا على زيارة أهاليهم كل أسبوع، أو كل فترة، وحين تسأل أحدهم إذا ما كان يستفيد ماليا، فيجيبك بالنفي، لأن راتبه هنا يتوزع، يمينا ويسارا، ولو كانت الفرصة التي حصل عليها في عمان متوفرة في مدينته التي جاء منها لما دفع إيجارا، ولا تورط في الزحام وكلف المواصلات، ولتمكن من تقبيل يد أمه وأبيه كل يوم.

تبذل الجهات الرسمية جهودا لإطلاق مشاريع كبرى في الأردن، وهناك إطلالة عميقة على الواقع التنموي في المحافظات، ومع تقدير هذه الجهود إلا أننا نريد معالجة مختلفة، فهذه المدن والقرى والمناطق خارج العاصمة لا بد من تنميتها بشكل مختلف، عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والشركات المساهمة، وأموال الضمان الاجتماعي، وجلب الاستثمارات حتى لا يبقى الرد الدائم بأن الحكومات لم تعد قادرة على التوظيف بسبب أعباء الرواتب والخزينة، بما يجعلنا ندعو لحلول بديلة على شكل مشاريع صغيرة ومتوسطة.

من حق الإنسان الأردني العمل في محافظته أو في عمان، أو في أي موقع يريده، وهذا أمر لا نقاش فيه إلا من زاوية واحدة فقط، أي التنبه لملف البطالة في المحافظات، وواقع التنمية، وإعادة التخطيط في كل المناطق خارج العاصمة، لحماية الوجود الاجتماعي وتعزيز التنمية، ليكون الخروج خيارا وليس اضطرارا.

الهجرة من الأطراف ومناطق خارج العاصمة إلى العاصمة ظاهرة نراها في دول كثيرة، وليست حكرا على الأردن، لكنها ظاهرة خطيرة تؤدي إلى التخلي عن الأرض الزراعية، وتراجع التنمية، وغياب الأفق، والمعاناة أيضا في العاصمة وما فيها من غلاء وزحام وغير ذلك من مشاكل المدن الكبرى، ولهذا نكرر الدعوة لمن يهمه الأمر بأن يتم التنبه للواقع الاجتماعي والمعيشي في المحافظات، ومعالجة كثير من التراجعات فيها.

ما نريده فرص حياة كريمة لأبناء الأردن.. هذا حقهم أولا وأخيرا، مثلما نريد تمتين البنية الديموغرافية في كل مكان، في وجه مخططات إقليمية مقبلة على الطريق، دون أن ننسى تغير هوية مدن كثيرة خارج العاصمة بسبب هجرات العرب، والظروف الاقتصادية.

لو توفرت لي الإمكانات، لما بقيت في عمان ساعة، ولذهبت بعيدا إلى الشمال أو الجنوب.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ