لا تُقاس نتائج الملكية الأردنية للنصف الأول من عام 2026 بحجم الربح المحقق فقط، بل بقدرة الإدارة على إدارة شركة طيران وطنية في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ المنطقة، وقراءة التحولات المقبلة، وتحويل جزء من المخاطر الجيوسياسية إلى فرص لإعادة التموضع والنمو.
حققت الشركة صافي ربح بلغ 1.4 مليون دينار، مقابل 12.7 مليون دينار في الفترة نفسها من العام الماضي. صحيح أن الربح تراجع، لكن المحافظة على الربحية في ظل الحرب الأميركية الإيرانية، وإغلاقات المجالات الجوية، واضطراب حركة السفر والسياحة، وارتفاع أسعار الوقود والتأمين والتمويل، تحمل دلالة أكبر من الرقم المجرد.الأهم أن الإدارة لم تتعامل مع الأزمة بمنطق الانكماش والانتظار، وإنما واصلت العمل على توسيع النشاط وتعزيز حضور الناقل الوطني. فقد ارتفعت الإيرادات بنحو 86 مليون دينار، وبنسبة 23%، ونما عدد الرحلات 14% وساعات الطيران 19%، فيما نقلت الشركة 1.984 مليون مسافر بزيادة 5%، وقفزت حركة الشحن 36%.هذه المؤشرات تعكس قراءة إدارية مختلفة للأزمة. فالاضطرابات الإقليمية، وإن كانت ترفع كلفة التشغيل وتحد من الطلب في بعض الأسواق، فإنها في الوقت ذاته تعيد رسم خريطة النقل الجوي في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الشركة القادرة على التحرك بسرعة، والمحافظة على شبكة خطوطها، وفتح أسواق جديدة، أكثر قدرة على اقتناص الفرص التي تخلقها التحولات.ومن هنا جاءت سياسة التوسع في الوجهات، مع افتتاح خطوط إلى مصراتة وميونخ وهامبورغ والشارقة والإسكندرية ودالاس وفيينا وطشقند، بالتوازي مع تعزيز الأسطول وتسلم سبع طائرات حديثة، ليصل عدد الطائرات الجديدة التي دخلت الخدمة خلال 12 شهراً إلى 19 طائرة.لكن التوسع لم يكن بلا كلفة. فقد ارتفعت المصاريف التشغيلية بنحو 69.5 مليون دينار، منها 33 مليوناً نتيجة ارتفاع كلفة الوقود، فيما زادت تكاليف التمويل 18 مليون دينار. كما أن إغلاق بعض المجالات الجوية أدى إلى إطالة مسارات الرحلات، ورفع استهلاك الوقود والتأمين والنفقات التشغيلية.ومع ذلك، فإن الرسالة الأهم في النتائج هي أن الإدارة لم تسمح للأزمة بأن تتحول إلى مبرر لتجميد الاستثمار. فتخصيص 30 مليون دينار لتوسعة وتحديث مبنى الشحن الجوي يعكس توجهاً إستراتيجياً يتجاوز معالجة نتائج اليوم إلى بناء مصادر نمو للمستقبل، وتعزيز موقع الأردن كمحور لحركة البضائع وسلاسل التوريد الإقليمية.وهنا تكمن قصة الملكية الأردنية في زمن الأزمات: الإدارة لا تدافع فقط عن الشركة، بل تعيد تموضعها. فحين تتغير خرائط الطيران، وتتراجع قدرات بعض الناقلات، وتتوقف خطوط وأسواق، تصبح استمرارية الناقل الوطني واتساع شبكته ومرونته التشغيلية أصولاً إستراتيجية للأردن.الربح البالغ 1.4 مليون دينار مهم، لكنه ليس القصة كاملة. القصة الحقيقية هي إدارة أزمة معقدة، المحافظة على استمرارية الشركة، توسيع الإيرادات والأسطول والأسواق، والاستثمار في مجالات جديدة، استعداداً لمرحلة قد تكون فيها خريطة الطيران الإقليمية مختلفة تماماً.الملكية الأردنية ربحت لأنها لم تنتظر انتهاء الأزمة؛ بل بدأت منذ الآن في بناء موقعها في الاقتصاد الإقليمي الذي سيولد بعدها.كيف ربحت الملكية الأردنية في زمن الأزمات؟
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ