أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الملك إلى الصين.. شراكة استراتيجية تُكتب بلغة الاقتصاد


المحامي طارق ابو الراغب
مدير عام هيئة الإعلام السابق

الملك إلى الصين.. شراكة استراتيجية تُكتب بلغة الاقتصاد

المحامي طارق ابو الراغب
المحامي طارق ابو الراغب
مدير عام هيئة الإعلام السابق
مدار الساعة ـ

تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية في توقيت بالغ الأهمية، سياسياً واقتصادياً، وتحمل في دلالاتها ما يتجاوز حدود الزيارة الرسمية أو اللقاءات الدبلوماسية، لتفتح الباب أمام مرحلة أكثر عمقاً في مسار الشراكة الأردنية الصينية.

ويبدأ جلالة الملك، اعتباراً من الثامن عشر من آب، زيارة دولة إلى الصين بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث يلتقي الرئيس الصيني إلى جانب رئيس الوزراء لي تشيانغ وعدد من كبار المسؤولين، فضلاً عن لقاء ممثلي كبرى الشركات الصينية، بما يؤكد الحضور الاقتصادي والاستثماري كأحد العناوين الرئيسية لهذه الزيارة.

وتكتسب الزيارة أهميتها من طبيعة العلاقة المتنامية بين عمّان وبكين، ومن المكانة التي أصبحت تحتلها الصين في الاقتصاد العالمي وفي حركة التجارة والاستثمار الدولية. فالصين باتت أكبر شريك تجاري للأردن، فيما وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 6.7 مليار دولار، الأمر الذي يجعل تطوير هذه العلاقة الاقتصادية مصلحة أردنية واضحة وفرصة ينبغي البناء عليها.

الأردن لا يذهب إلى الصين بحثاً عن بديل لشراكاته الدولية، وإنما يذهب لتعظيم خياراته، وتنويع مصادر الاستثمار، وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الخبرات الصينية في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والنقل والسياحة والمياه.

وهنا تحديداً تكمن القيمة السياسية للزيارة؛ فالدبلوماسية الأردنية لا تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية سياسية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما تسعى إلى تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية، والمصالح الاقتصادية إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص عمل ونمو وتنمية مستدامة.

كما أن عقد لقاءات مع الشركات الصينية الكبرى يحمل رسالة واضحة مفادها أن الأردن يريد الانتقال بالعلاقة من مستوى التجارة التقليدية إلى مستوى الاستثمار والإنتاج والشراكات طويلة الأمد، بما يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على استقطاب رأس المال والخبرات والتكنولوجيا.

ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي؛ فتنويع الشراكات لم يعد خياراً ثانوياً للدول، بل أصبح جزءاً من حماية مصالحها وتعزيز قدرتها على التعامل مع المتغيرات الدولية. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي واستقراره السياسي، يمتلك مقومات تؤهله لأن يكون نقطة التقاء بين الأسواق الآسيوية والعربية، إذا ما جرى استثمار هذه الميزة ضمن شراكات اقتصادية حقيقية.

ومن هذه الزاوية، فإن زيارة جلالة الملك إلى الصين يمكن أن تشكل محطة جديدة في بناء نموذج أكثر تقدماً للعلاقات الأردنية الصينية، يقوم على المصالح المتبادلة، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع التجارة، وتعزيز السياحة، وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص الأردني.

ولعل الرسالة الأهم في هذه الزيارة أن الأردن اليوم بحاجة إلى دبلوماسية اقتصادية أكثر حضوراً وتأثيراً؛ دبلوماسية لا تكتفي بتوثيق العلاقات، وإنما تبحث عن العائد الاقتصادي المباشر على الدولة والمواطن، وعن الأسواق والاستثمارات والمشاريع وفرص العمل.

إن لقاء جلالة الملك بالرئيس الصيني شي جين بينغ، وما يرافقه من لقاءات سياسية واقتصادية، يمثل فرصة لإعادة صياغة الشراكة الأردنية الصينية على قاعدة أكثر اتساعاً وواقعية وطموحاً.

فالأردن لا يبحث عن كثرة العلاقات، بقدر ما يبحث عن قوة هذه العلاقات، ولا يبحث عن الشراكة لمجرد الشراكة، وإنما عن شراكات تتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن زيارة الملك إلى الصين ليست فقط زيارة إلى واحدة من أكبر دول العالم اقتصاداً؛ إنها رسالة بأن الأردن يريد أن يكون حاضراً في الاقتصاد الآسيوي، وأن يحوّل موقعه السياسي والجغرافي إلى فرصة اقتصادية، وأن يوسع خياراته وشراكاته بما يخدم مصالحه الوطنية العليا.

الملك إلى الصين.. والسياسة هذه المرة تفتح الطريق أمام الاقتصاد.

مدار الساعة ـ