تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، التي تبدأ اليوم، في توقيت اقتصادي بالغ الأهمية، إذ أعلن الديوان الملكي أن الزيارة تستهدف الارتقاء بالعلاقات الأردنية الصينية، ولا سيما في المجال الاقتصادي.
ومن المنظور الاقتصادي والصناعي، فإن أهمية الزيارة تكمن في طبيعة الاتفاقيات وقدرتها على نقل العلاقة بين البلدين من التجارة إلى الاستثمار، ومن الاستيراد إلى الإنتاج المشترك، ومن نقل التكنولوجيا إلى بناء سلاسل قيمة صناعية داخل الأردن.وبحسب ما سبق الزيارة من تحركات حكومية، فإن ملفات الاستثمار الصيني في النقل واللوجستيات، والتكنولوجيا الزراعية، والصناعات النوعية، والأسمدة، والبنية التحتية، تبدو مرشحة لتكون في صلب التعاون المقبل. فقد بحثت وزارة الاستثمار، خلال زيارتها الأخيرة إلى الصين، فرصاً استثمارية مع شركات ومؤسسات صينية في هذه القطاعات، كما جرى الترويج للأردن بوصفه مركزاً إقليمياً للوصول إلى الأسواق في المنطقة.وأعتقد أن الاتفاقيات المنتظرة ستتجه إلى مشاريع استثمارية محددة وقابلة للتنفيذ، خصوصاً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة وذات القيمة المضافة المرتفعة، والصناعات الهندسية والكهربائية، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية والدوائية، إضافة إلى اللوجستيات. ويتوافق ذلك مع التوجه الملكي لتعزيز موقع الأردن كمركز صناعي إقليمي، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الوطنية، ومع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.الانعكاس الأردني الحقيقي سيكون في خلق فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتقليل فاتورة الاستيراد، وجذب رأس المال والتكنولوجيا الصينية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الأردني. والأهم أن الاستثمار الصيني يجب ألا يقتصر على إنشاء مصانع للسوق المحلي، بل أن يكون موجهاً للتصدير، مستفيداً من موقع الأردن واتفاقياته التجارية.لدينا بالفعل نموذج مهم؛ فالاستثمارات الصينية في القطرانة توسعت إلى مجمع صناعي يضم مصانع للبورسلان والأجهزة الكهربائية والستانلس ستيل والإنارة والأدوات الصحية وغيرها، مع توفير فرص عمل. كما ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين بنسبة 74.1 % في الربع الأول من عام 2026، وهو مؤشر على إمكانية بناء علاقة تجارية أكثر توازناً.لكن المطلوب اليوم هو قفزة نوعية: مجلس أعمال أردني–صيني فاعل يتولى متابعة المشاريع وتحويل الفرص الاستثمارية إلى شراكات قابلة للتنفيذ، إلى جانب مشاريع مشتركة، وتمويل ميسر، ونقل للمعرفة، وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بسلاسل التوريد الصينية. وقد طرح القطاع الخاص الأردني بالفعل فكرة إنشاء مجلس أعمال أردني– صيني لتطوير هذا المسار.وفي النهاية، فإن زيارة جلالة الملك إلى الصين تمثل فرصة لنقل العلاقة الاقتصادية من التجارة إلى الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا والتصدير. وإذا نجح الأردن في تحويل هذه الفرصة إلى مشاريع حقيقية، فإن الصين يمكن أن تصبح شريكاً رئيسياً في تعزيز القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني ورفع تنافسية الصناعة الأردنية.زيارة الملك إلى الصين اقتصاديا
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ