كل أزمات جوار الأردن دفعت إليه موجات من المهاجرين، حتى لا أقول اللاجئين لحساسية الكلمة، خصوصا حين يستعملها البعض عند توصيف أشقاء عرب قدموا إلى الأردن.
هذه ليست قصتنا. أي أن المصطلح ليس هو المهم، بل الأهم هو تحمل الأردن لأزمات لم تقبلها دول عربية أخرى، وقد عشنا ورأينا تدفقا من سورية والعراق، وتدفقا من اليمن، ومن فلسطين قبل ذلك، ومر عبر هذا البلد وعاش فيه الملايين من العرب، وبعضهم بقي، والبعض الآخر غادر، إلا أن غالبية من قدموا إلى الأردن لم يغادروا مجددا، عدا الأشقاء العراقيين الذين عاد أغلبهم إلى العراق، أو حصلوا على لجوء في دول أجنبية، ولم يعودوا.هناك جانب أخلاقي بقي حاكما في الأردن على المستوى الشعبي؛ فالأردني قد يتذمر من موجات اللجوء، لكن يستحيل أن يعتدي على أحد أو يتجاوز حدوده الاجتماعية، وليس أدل على ذلك من التجارب التي رواها الأجداد، وتلك التجارب التي نعيشها اليوم في كل مكان، ودون أن نجامل أنفسنا، فالأردن تعامل مع السوريين مثلا بطريقة مختلفة تماما عما وجدوه من الأتراك واللبنانيين والعراقيين، وهذا كلام أقر به أشقاء وأصدقاء سوريون دون مجاملات، رغم تأثر الهوية السكانية في مدن مثل إربد والمفرق والرمثا، على سبيل المثال لا الحصر.أغلب الدول العربية لم تحتمل موجات اللجوء، بل شنت شعوبها العروبية حملات سياسية تحولت إلى حملات كراهية عبر الإعلام وفي الشارع ضد اللاجئين، وهناك أمثلة كثيرة، لا أريد ذكرها، وهناك دول أغلقت الباب مسبقا في وجه موجات اللجوء أو منح التأشيرات.مناسبة الكلام الرقم الذي حصلت عليه قبل يومين، ومفاده أن عدد الأشقاء السوريين الذين عادوا إلى سورية منذ تغيير النظام وصل إلى 222 ألف سوري حتى الآن، من أصل ما يزيد على مليون وربع مليون سوري، بقوا في الأردن، وبعضهم هاجر بشكل رسمي إلى بلد ثالث، أو حصل على لجوء عبر المؤسسات الدولية، لكن أغلبية الأشقاء السوريين بقوا هنا، ودلالة الرقم ترتبط ببدء العام الدراسي في الأردن، وهذا يعني أن أغلبهم سيقوم بتسجيل أفراد العائلة في المدارس الأردنية، رغم الرسوم المفروضة على الدراسة وتصاريح عمل الآباء، دون أن ننسى أن قرابة ربع مليون طفل سوري ولد في الأردن منذ قدوم العائلات السورية.هذه ليست مرافعة تحريض ضد الأشقاء السوريين، لكنها تتقصد تحليل الوضع، إذ على الرغم من تراجع كل أنواع المساعدات المالية والصحية والغذائية، فإن أغلب السوريين فضلوا البقاء في الأردن رغم معاناتهم الاقتصادية، حيث يعملون في مهن مختلفة، وأغلبهم يتحدث عن وضع أمني غير مستقر في سورية وغير معروف المآلات، إضافة إلى الوضع الاقتصادي السيئ، وشهادات ندم الذين عادوا إلى سورية.لقد أصبحت الأزمة السورية أردنية في بعض جوانبها، والمخاوف اليوم تشتد أكثر بسبب احتمالات حدوث موجات لجوء جديدة، خصوصا إذا انفجر الوضع الأمني في سورية، وتحديدا في مناطق الجنوب، وهذا أمر وارد، وإذا ما تم تحريك حرب مذهبية في غرب العراق لتقويض النظام المحسوب على إيران، بحيث لا يكون أمام سنة العراق إلا الأردن، إضافة إلى ملف الضفة الغربية وما فيه من مهددات على الأردنيين والفلسطينيين.ليست مبالغة أن نقول إن جوار الأردن الذي يغرق بالأزمات قد يأتي الأردن بموجات لجوء جديدة في توقيت يفيض فيه الأردن أصلا بمن فيه، ولا يحتمل أي كلف اقتصادية أو سياسية أو أمنية لأي إزاحة ديموغرافية نحو أراضيه، في سياقات إعادة تشكيل الإقليم.ما الذي سنفعله في هذه الحالة، غير بيانات التنديد والرفض والاستنكار، أو حتى إغلاق الحدود، ونحن نعرف أن التدفق البشري سيتعمد تجاوز أي حدود برية رسمية؟!3 موجات لجوء تهدد الأردن
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ