السؤال الحقيقي في أي دولة مش كم عندها من موظف كبير، ولا كم اسم يتنقل بين المواقع العليا، بل هل هذه الدولة قادرة على إنتاج قادة سياسيين، أم أن أقصى ما تنتجه هو كبار موظفين يجيدون إدارة الملفات، وهنا فان الفرق بين الاثنين كبير.
كبير الموظفين قد يكون كفؤاً منضبطاً، يعرف القانون والتعليمات ويتقن إدارة المؤسسة التي يقودها، وهي صفات ومواصفات مهمة وضرورية لنجاح مؤسسات الدولة، لكن القائد السياسي شيء آخر فهو لا يكتفي بإدارة الوضع الاني، بل هو الذي يمتلك القدرة على قراءة المستقبل وصناعة الرؤية واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وإقناع الناس بمشروع يتجاوز حدود الوظيفة والمنصب.من هنا فالدول التي تنجح في بناء مستقبلها لا تكتفي بإنتاج جهاز إداري قوي، ولكنها التي تعمل على إنتاج قيادات سياسية قادرة على تحويل الإدارة إلى مشروع، والموارد إلى إنجاز، والأزمات إلى فرص.اليوم تعاني كثير من الدول مشكلة وظاهرة تحت مبدأ وفكرة أن المسؤول الناجح هو من لا يخطئ ومن لا يختلف مع أحد، ومن يجيد تنفيذ التعليمات، ومن يحافظ على هدوء المؤسسة، وعندها يصبح معيار الاختيار هو القدرة على إدارة المنصب، لا القدرة على قيادة المرحلة، ومع مرور الوقت والعمر الوظيفي تتشكل منظومة تنتج موظفين كبارا أكثر مما تنتج سياسيين كبارا.وعندما نسأل لماذا السياسي، نجيب لأن السياسي الحقيقي لا يخاف من النقاش، ولا يعتبر الاختلاف تهديدا، ولا يقيس نجاحه بعدد الموافقين عليه، هو الذي يمتلك موقفا واضحا ويعرف لماذا اتخذه ويستطيع أن يدافع عنه أمام كل الناس، ولدية الشجاعة أن يغيره إذا تغيرت المعطيات دون أن يفقد بوصلته، والأهم أن القائد السياسي لا ينتظر أن يصنعه المنصب لأن المنصب يعطيه مسؤولية، لكنه لا يمنحه رؤية ولا كاريزما ولا مشروعا ولا قدرة على القيادة.لذلك فإن بناء الدولة الحديثة لا يحتاج فقط إلى إصلاح الإدارة، بل يحتاج أيضا إلى إصلاح طريقة إنتاج النخب السياسية، اننا اليوم نحتاج إلى بيئة تسمح للشباب أن يدخلوا الحياة العامة، وأن يختلفوا، وأن يجربوا، وأن يتعلموا من أخطائهم، وأن يبرزوا بناء على الكفاءة والقدرة والمشروع، لا على الأقدمية أو التدرج الوظيفي.فالدولة التي تنتج كبار موظفين تستطيع أن تدير يومها بكفاءة، لكن الدولة التي تنتج قادة سياسيين تستطيع أن تصنع غدها.وهنا السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: هل نحن نبني دولة تنتظر من المسؤول أن يحافظ على ما هو قائم، أم دولة تبحث عن مسؤول يمتلك الشجاعة ليبني ما هو قادم؟ لأن الفرق بين الاثنين هو بالضبط الفرق بين إدارة الدولة وقيادة الدولة.وهنا وباختصار إذا أردنا قادة سياسيين، علينا أن ننتج بيئة سياسية تصنعهم، لا وظائف إدارية تنتظرهم.انتاج كبار موظفين أم قادة سياسيين
د. خلف ياسين الزيود
نائب أردني سابق عضو المكتب السياسي لحزب عزم
نائب أردني سابق عضو المكتب السياسي لحزب عزم
مدار الساعة ـ