أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من أنا حقا؟ حين تصبح الهوية سؤالا بلا مرآة


د. عمّار محمد الرجوب

من أنا حقا؟ حين تصبح الهوية سؤالا بلا مرآة

مدار الساعة ـ

منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يحمل في داخله سؤالا لا يشبه سواه: من أنا؟ سؤال يبدو بسيطا حين ننطقه، لكنه كلما تعمقنا فيه اكتشفنا أنه ليس سؤالا عن الاسم أو المكان أو المهنة، بل عن ذلك الكائن الخفي الذي يسكن خلف كل ما نظهره للآخرين. فالإنسان قد يعرف اسمه، ويحفظ تاريخه، ويعدد إنجازاته، لكنه قد يقضي عمره كله دون أن يلتقي بنفسه لقاء حقيقيا.

نحن نولد وفي أيدينا أشياء لم نخترها: لغة، وبيئة، وأسرة، وذاكرة أولى، وعادات، و موروثات تصوغ ملامحنا قبل أن نملك القدرة على مساءلتها. ثم يكبر الإنسان، فتأتي التجارب لتضيف طبقات جديدة إلى شخصيته، فرح يفتح نافذة، وألم يغلق أخرى، وخذلان يغير طريقة النظر إلى الناس، ونجاح يعيد تشكيل صورة الإنسان عن نفسه. وهكذا لا تكون الهوية شيئا يولد مكتملا معنا، بل نسيجا يتشكل ببطء من خيوط لم نختر بعضها، واخترنا بعضها الآخر.

ولهذا قد يكون أكثر ما يضلل الإنسان أنه يعتقد أن شخصيته ثابتة. فنحن لسنا الصورة التي التقطناها لأنفسنا في لحظة معينة، ولا الموقف الذي علق بنا منذ سنوات، ولا الخطأ الذي ارتكبناه ثم ظل يطاردنا. الإنسان كائن متحرك، يتغير كلما مر بتجربة، لكنه يظل يبحث عن خيط داخلي يحفظ له شعوره بالاستمرار. وربما كانت الهوية في جوهرها هي ذلك الخيط الدقيق الذي يصل بين الإنسان الذي كان، والإنسان الذي أصبح، والإنسان الذي يريد أن يكون.

لكن السؤال الأصعب يبدأ حين نكتشف أن كثيرا مما نسميه "أنا" قد لا يكون لنا بالكامل. كم من قناعة ورثناها ولم نسأل أنفسنا يوما إن كانت تشبهنا؟ وكم من سلوك نكرره لأن المجتمع اعتاده، لا لأننا اخترناه؟ وكم من صورة نحاول المحافظة عليها أمام الآخرين حتى أصبحنا أسرى لها؟ هنا تصبح الهوية امتحانا للوعي، لأن اكتشاف الذات لا يبدأ حين نضيف إليها المزيد، بل حين نملك شجاعة إزالة ما ليس منا.

إن الإنسان قد يعيش سنوات طويلة وهو يؤدي أدوارا متعددة: ابن، وأب، وصديق، وموظف، وكاتب، ومسؤول، وصاحب رأي. وكل دور منها حقيقي، لكنه لا يمثل الإنسان كله. فهناك مساحة داخلية لا تصل إليها الألقاب، ولا المناصب، ولا تصفيق الآخرين، مساحة لا يبقى فيها الإنسان إلا أمام نفسه. وفي تلك المساحة تحديدا يظهر السؤال الأصعب: لو اختفت كل الصفات التي يعرفني الناس بها، فمن أكون؟

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجعل صورته في عيون الآخرين مرآته الوحيدة. عندها يصبح أسيرا للإعجاب، خائفا من النقد، مشغولا بإثبات ذاته، فينسى أن قيمة الإنسان لا تتحدد دائما بما يراه الناس فيه. فهناك فرق كبير بين أن تكون معروفا، وأن تكون معروفا لنفسك. الأول يمنحك حضورا في العالم، والثاني يمنحك سلاما في داخلك.

ومن هنا تلتقي الهوية بالحرية. فالإنسان لا يصبح حرا تماما إلا عندما يستطيع أن يقول: هذا أنا، وهذا ما أؤمن به، وهذا ما أرفضه، دون أن يجعل حياته رهينة لإرضاء الجميع. فالاختلاف ليس خيانة للآخرين، والاستقلال في التفكير ليس تمردا، بل قد يكون أحيانا أكثر أشكال الأمانة مع النفس. وما قيمة أن يعيش الإنسان حياة يصفق لها الجميع، بينما يشعر في أعماقه أنها ليست حياته؟

غير أن معرفة الذات لا تعني أن نعجب بكل ما فيها. فالوعي الحقيقي لا يصنع لنا مرآة تجمل صورتنا، بل مرآة تكشفها كما هي. أن نرى نقاط ضعفنا دون أن نحتقر أنفسنا، وأن نعترف بأخطائنا دون أن نختصر وجودنا فيها، وأن نعرف مواطن القوة فينا دون أن تتحول إلى غرور. فالإنسان الناضج ليس من يعتقد أنه كامل، بل من يعرف نقصه ويعمل على تهذيبه.

والزمن الذي تحدثنا عنه في المقال السابق، لا يمر على الهوية من الخارج، بل يعيد تشكيلها من الداخل. نحن أبناء ما عشناه، لكننا لسنا أسرى له. فالماضي قد يفسر بعض ما نحن عليه، لكنه لا يملك وحده حق تحديد ما سنكونه. وهذه ربما واحدة من أجمل الحريات التي يمتلكها الإنسان: أن يعيد كتابة نفسه دون أن ينكر الفصول التي سبقت.

وفي النهاية، قد نكتشف أن سؤال "من أنا؟" ليس سؤالا ينتظر إجابة نهائية، بل رحلة لا تنتهي. فكلما ظننا أننا عرفنا أنفسنا، جاءت الحياة بتجربة جديدة تكشف لنا وجها لم نكن نعرفه. وربما لم يكن المطلوب أن نعثر على تعريف نهائي لأنفسنا، بل أن نبقى صادقين في الطريق، وأن نسمح لأنفسنا بالنمو دون أن نفقد جوهرنا.

فالهوية ليست قفصا نعيش داخله، ولا قناعا نرتديه أمام الآخرين، إنها حوار مستمر بين ما ورثناه، وما عشناه، وما اخترناه. وفي هذا الحوار يتشكل الإنسان الحقيقي، لا كما أراده الآخرون، ولا كما فرضت عليه الظروف، بل كما قرر، بوعي ومسؤولية، أن يكون.

وأقول أنا: إنني لا أبحث عن نفسي في الاسم الذي أحمله، ولا في الصورة التي يراها الآخرون، ولا في ما تركته السنوات خلفي، بل أبحث عنها في ذلك الجزء الصامت من روحي الذي لم تستطع الحياة أن تغيره. وأؤمن أن أعظم انتصار للإنسان أن يصل إلى لحظة لا يحتاج فيها إلى أن يمثل نفسه أمام أحد، لأنّه أخيرا أصبح صادقا مع ذاته.

مدار الساعة ـ