أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أنساب الخيل وفقه لغتها: كيف حول العرب الفرس من سلاح إلى هوية؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -عرفت حضارات كثيرة الخيل وركبتها في الحرب والسفر، من الفرس إلى الرومان وشعوب آسيا الوسطى، لكن العرب تميزوا بشيء آخر: أنهم لم يكتفوا باستعمال الفرس، بل أحاطوه بلغة ونسب وشعر وذاكرة تكاد تجعل منه علماً قائماً بذاته، وهذا بالضبط ما أشار إليه ابن قتيبة في «فضل العرب والتنبيه على علومها» حين قال: «وليس لأحد مثل عتاق العرب، ولا عند أحد من الناس من العلم بها ما عندهم».

لم يكن المقصود مجرد إجادة الركوب، فقد عرف العرب أعضاء الفرس وصفاته وعيوبه وألوانه وشياته، وحفظوا أنسابه، وميزوا بين طرائق عدوه، وأفردوا له كتباً كاملة، وعرفوا أعضائها عضواً عضواً بأسماء معروفة، وفي هذا الجانب تحديداً تبدو التجربة العربية مختلفة عن كثير من التقاليد القديمة فهي حولت معرفة الخيل من خبرة عسكرية إلى جزء من اللغة والثقافة والهوية.

كان العربي القديم ينظر إلى الفرس بعين تختلف عن عين الراكب العابر، ففي كتب اللغة نجد أسماء دقيقة لأجزاء الجسد وصفاته، حتى إن ابن قتيبة يفرد في «أدب الكاتب» أبواباً لمعرفة ما يستحب في خلق الخيل، وعيوبها، وألوانها، وشياتها، ودوائر الشعر في أجسادها، وصفات السوابق منها.

وكان لشعر الناصية اسم، ولهيئة الأذن وصف، وللعرق والسمن والقياد ألفاظ مختلفة، فالفرس الذي يسهل قياده ليس كالذي يمتنع، والذي يكثر عرقه ليس كالذي لا يعرق، ولكل حالة كلمة خاصة.

وهذا النوع من اللغة لا يظهر من فراغ، فالإنسان لا يضع عشرات الألفاظ لشيء لا يحتاج إلى ملاحظته بدقة، مثلما يميز البحار أنواع الريح، كان العربي يقرأ في جسد الفرس علامات القوة والضعف والسرعة والصحة.

فرق حضاري

عرف الرومان عرفوا الخيل في الجيش والسباق، والفرس كانت لهم تقاليد فروسية عريقة، لكن التراث العربي حفظ لنا شبكة كثيفة من الأسماء والأوصاف والأنساب والأشعار المتصلة بالفرس مما يظهر خصوصية العرب في هذا المجال.

وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نفهم فيه كلام ابن قتيبة عن تميز العرب في العلم بها، فلم يكن العربي يقول إن هذا حصان جيد وحسب، كان يتجاوز ذلك ليعرف لماذا هو جيد ويراقب قوائمه وصدره وأذنيه وناصيته، وينظر إلى نسبه، ويعرف من أي فحل نتج، ومن أمه، وأي خيل سبقت في هذا النسب، أي أن العلاقة لم تكن علاقة استعمال فقط، بل علاقة معرفة متراكمة.

نسب محفوظ

ثم فعل العرب بالخيل ما فعلوه بأنفسهم تقريباً: حفظوا أنسابها، فظهرت كتب مستقلة مثل «أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام» لابن الكلبي، وكتب في أسماء خيل العرب وفرسانها، ثم جاء الأسود الغندجاني الأعرابي بكتاب «أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها»، ويذكر محقق الكتاب أن مجموع ما جمعه من أسماء الخيل بلغ 837 فرساً، ويعد هذا الرقم لافت، فنحن اليوم على دراية بثمانمئة وسبعة وثلاثون اسماً لحيوانات عاشت قبل قرون، بقيت أسماؤها لأنها لم تكن مجهولة في حياة أصحابها.

أسماء باقية

بعض تلك الأسماء بقي في الذاكرة حتى اليوم، مثل داحس والغبراء، إذ لم يبق الاسمان لأنهما لفرسين فقط، بل لأنهما ارتبطا بحرب كاملة من حروب الجاهلية.

وهناك الهطّال لزيد الخيل الطائي، والأبجر المرتبط بعنترة في الروايات الأدبية، وحذفة لخالد بن جعفر، واليعبوب للربيع بن زياد، والورد ولاحق وغيرهما، وفي بعض الأخبار صار الرجل يعرف بفرسه، وهذا وحده يبين مقدار المكانة التي يمكن أن يصل إليها الجواد فلم يعد مجرد شيء يملكه الرجل، بل جزءاً من اسمه وسمعته.

مكانة عالية

وكان امتلاك الجواد الأصيل يمنح صاحبه مكانة اجتماعية واضحة، فالفرس الجيد ثروة، ونسله ثروة أيضاً، ونسبه يرفع قيمته، وتورد كتب التراث أخباراً عن أثمان كبيرة دفعت في بعض الخيل، وهنا تتجلى صورة الجواد كأصل اقتصادي وسلاح وعلامة مكانة، ولهذا اعتنى الناس بالنسب والنتاج والسبق، كما يعتني الناس اليوم بسجل الأصل والجودة والقيمة.

حصون العرب

يصف ابن قتيبة الخيل بأنها من «حصون العرب» و«سلم المجد»، وقد يبدو التعبير شعرياً، لكنه في بيئته كان قريباً من الحقيقة، فالفرس السريع قد يعني النجاة في الغارة، أو إدراك الخصم، أو الخروج من حصار، أو حمل الرجل مسافات طويلة في وقت لا تملكه قدماه، ولهذا جمع الفرس صفات كثيرة في وقت واحد، فكان وسيلة نقل، وسلاحاً، وثروة، وزينة، وعلامة قوة، وقليل من الممتلكات في المجتمعات القديمة جمع كل هذه الوظائف معاً.

جوع ووفاء

وتظهر منزلة الفرس عند العرب أكثر ما تظهر في الشعر، فيروي ابن قتيبة أن بعض العرب كانوا يؤثرون خيلهم باللبن على أولادهم، وهي صورة تبدو قاسية اليوم، لكنها تعكس مكانة الفرس في مجتمع كانت فيه الحياة نفسها قد تتوقف على سرعة الجواد وقوته.

ويقول زيد الخيل بن مهلهل الطائي عن فرسه الهطّال:

أقرّب مربط الهطّال إني ... أرى حربا تلقّح عن حيال

أسوّيه بمكنف إذ شتونا ... وأوثره على جلّ العيال

ويقوم في هذه الأبيات بوصف عنايته بخيله في الشتاء وإيثاره له فيطعمه ولو قل الطعام فقد يأتي يوم لا ينجيه فيه سواه.

برد الجواد

ويرد المعنى نفسه في أخبار خالد بن جعفر وفرسه حذفة، فتذكر الروايات أنه كان يعتني بها حتى يغطيها بردائه في البرد، ولم تكن المسألة حناناً وحده، ولا منفعة وحدها، لكنها تجاوزت ذلك لتصبح علاقة عجيبة تجمع الاثنين، فهويرعاها لأنها عزيزة، ولأنه يعرف أيضاً أنها قد تحمله يوماً حين لا يكون بينه وبين الموت إلا سرعتها.

وقال خالد بن جعفر في شعره:

أريغوني إراغتكم فإني ... وحذفة كالشجا تحت الوريد

أسوّيها بجاري أو بجزء ... وألحفها ردائي في الجليد

فرس عنترة

أما عنترة بن عمرو بن شداد بن معاوية بن قراد العبسي، الفارس المغوار، فقد أدخل الفرس إلى قلب المعركة نفسها، فيقول:

يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم

ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم

وهنا يتحول الجواد لجزء من البطولة والألم، فالفارس يحمل السيف لكن الفرس يحمل الفارس، فلا يكون الجواد مجرد خلفية للمشهد.

دواوين الخيل

ومن أبرز ما يميز العرب أن اهتمامهم بالخيل لم يبق في القصائد وحدها، فقد ظهرت كتب كاملة في أنسابها وأسمائها وصفاتها وألوانها وأخبارها، وفي بعض هذه الكتب يجتمع الاسم والنسب والخبر والشعر في صفحة واحدة، وهذه ظاهرة لافتة في التراث العربي إذ تحولت الدابة من جزء من الحياة اليومية إلى موضوع مستقل للتدوين.

ذاكرة باقية

مضى الزمن الذي كان فيه الفرس شرطاً للحرب أو السفر، لكن أسماء كثيرة بقيت.. بقي داحس والهطّال والأبجر وبقيت الغبراء وأبيات قيلت في خيل لم يبق من أجسادها شيء، وهذه ربما أصدق علامة على مكانة الخيل في الذاكرة العربية، فالمجد كان يتقاسم بين الفارس والفرس.


مدار الساعة ـ