ليست الدولة الحديثة مجرد سلطة تأمر ومؤسسات تنفذ، وليست الحكومة اختزالاً لإرادة الدولة، مهما اتسعت صلاحياتها أو تعاظم نفوذها. فالدولة، في معناها المؤسسي العميق، منظومة متكاملة من السلطات والاختصاصات والضوابط، قوامها التوازن، وروحها التعدد، وضمان بقائها واستقرارها أن لا تنفرد جهة واحدة بتحديد اتجاهاتها الكبرى، ولا تتحول رؤيتها إلى معيار وحيد تقاس به سائر القرارات والسياسات.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب البناء المؤسسي للدولة ليس ضعف السلطة التنفيذية فحسب، بل أن تستأثر رؤيتها بالمساحة الأوسع من القرار العام، حتى يغدو صوتها هو الصوت الأعلى، ورأيها هو المرجعية الأثقل، وتتحول بقية السلطات والمؤسسات، تدريجياً، من مراكز مستقلة لصناعة القرار والرقابة إلى مجرد أصداء تردد ما تقوله السلطة التنفيذية. وعند هذه النقطة لا يعود الأمر متعلقاً بمجرد تفاوت في النفوذ بين مؤسسات الدولة، وإنما يصبح خللاً في جوهر فكرة التوازن التي قامت عليها الدولة الحديثة.فالسلطة التنفيذية، بحكم طبيعتها ومسؤولياتها، تمتلك أدوات واسعة للتأثير في القرار العام؛ فهي تدير الجهاز الإداري، وتنفذ السياسات، وتتعامل مع الملفات اليومية، وتمتلك قدراً كبيراً من المعلومات والموارد. وهذه القوة ضرورة لا غنى عنها لاستقرار الدولة وانتظام شؤونها، لكنها تتحول إلى مصدر خطر حين لا تقابلها مؤسسات قادرة على المراجعة والمساءلة وإبداء الرأي المستقل. إذ ليس من الحكمة أن تكون الجهة التي تقترح وتنفذ وتدافع عن سياساتها هي نفسها التي تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حدود الرقابة عليها، أو الإطار الذي تتحرك داخله بقية مؤسسات الدولة.إن مشروعية القرار العام لا تستمد قوتها من قوة الجهة التي أصدرته، وإنما من سلامة الطريق المؤسسي الذي مر به، ومن خضوعه للقانون، ومن قابليته للنقاش والمراجعة والتصحيح. ولذلك فإن تعدد وجهات النظر داخل الدولة ليس ترفاً سياسياً، ولا تعقيداً بيروقراطياً، ولا عائقاً أمام سرعة الإنجاز؛ بل هو إحدى أهم ضمانات الرشد في صناعة القرار. فكل سلطة، مهما بلغت خبرتها واتسعت معرفتها، تظل أسيرة زاوية معينة في النظر إلى الواقع، بينما يتيح تعدد المؤسسات وتنوع الاختصاصات إمكانية رؤية الصورة من أكثر من اتجاه، واكتشاف ما قد يغيب عن الجهة صاحبة القرار.وقد يبدو انسجام مؤسسات الدولة خلف السلطة التنفيذية، في ظاهره، عنواناً للاستقرار والانضباط ووحدة القرار، غير أن هذا الانسجام، إذا كان وليد غياب القدرة على الاختلاف لا نتيجة الاقتناع، ليس استقراراً حقيقياً، وإنما هدوء مؤسسي يخفي وراءه اختلالاً متراكماً. فالمؤسسات التي لا تملك القدرة على الاعتراض تفقد مع الوقت وظيفتها، والرقابة التي لا تستطيع إنتاج أثر تصبح مجرد إجراء شكلي، والبرلمان الذي يكتفي بمجاراة السلطة التنفيذية يفقد جوهر وظيفته التشريعية والرقابية، وأي مؤسسة تفقد استقلالها في ممارسة اختصاصها تتحول، ولو بقي اسمها قائماً، إلى جزء من منظومة القرار التنفيذي بدلاً من أن تكون شريكاً مستقلاً في بناء القرار الوطني.وهنا تكمن خطورة الهيمنة التنفيذية؛ فهي لا تحتاج بالضرورة إلى إلغاء المؤسسات أو تعطيلها بصورة صريحة، بل يكفي أن تبقى المؤسسات قائمة في الشكل، بينما تتراجع قدرتها على ممارسة أدوارها في الجوهر. وهذا أخطر أنواع الاختلال، لأنه لا يظهر في صورة انهيار واضح، وإنما يتسلل بهدوء إلى بنية الدولة تحت غطاء انتظامها، حتى يصبح الشكل المؤسسي قائماً، بينما تتآكل الوظيفة المؤسسية من الداخل.ومن أخطر النتائج التي تترتب على هذا الاختلال أن تختلط مصلحة الحكومة بمصلحة الدولة، وأن يصبح الاعتراض على سياسة حكومية وكأنه اعتراض على الدولة ذاتها. والحقيقة أن الحكومة، مهما امتد بقاؤها، ليست الدولة، والسلطة التنفيذية ليست مرادفاً للدولة، كما أن القرار الحكومي ليس بالضرورة تعبيراً أبدياً عن المصلحة الوطنية. فالحكومة مرحلة من مراحل الدولة، وبرامجها وخياراتها وسياساتها قابلة للنقد والمراجعة والتعديل، بينما الدولة كيان أوسع وأبقى من الأشخاص والحكومات، وتستمد استمراريتها من مؤسساتها وقوانينها ومصالحها العليا التي تتجاوز تغير المسؤولين وتبدل البرامج.ولهذا فإن تحويل كل قرار تنفيذي إلى عنوان للمصلحة الوطنية، وتحويل كل اعتراض عليه إلى عرقلة أو تشكيك أو خروج عن الإجماع، يضيّق المجال العام ويصادر إحدى أهم وظائف المؤسسات، وهي أن تضع السلطة أمام مرآة المراجعة والمساءلة. فالنقد ليس عداءً للدولة، والمساءلة ليست خصومة مع الحكومة، والرقابة ليست تعطيلًا لمؤسساتها، والاختلاف المؤسسي ليس تهديداً للاستقرار. بل إن القدرة على الاختلاف داخل الأطر الدستورية والقانونية هي من علامات نضج الدولة وصلابة بنيانها.فالسلطة التنفيذية الرشيدة لا تحتاج إلى مؤسسات توافقها دائماً، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على أن تسألها، وأن تناقشها، وأن تطلب منها تبرير قراراتها، وأن تكشف مواطن الخلل حين تقع. ذلك أن الخطأ في القرار السياسي أمر ممكن، ولا توجد سلطة بشرية معصومة من الخطأ، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تفقد الدولة قدرتها على اكتشاف الخطأ أو الاعتراف به أو تصحيحه.وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لتوازن السلطات؛ فهو لم يُنشأ على افتراض أن الحكومات لا تخطئ، وإنما على افتراض عكس ذلك تماماً: أن السلطة قد تخطئ، ولذلك ينبغي أن توجد إلى جوارها مؤسسات مستقلة تستطيع أن تقول لها إن القرار يحتاج إلى مراجعة، أو إن المسار يحتاج إلى تصحيح، أو إن المصلحة العامة تقتضي التراجع عن خيار معين. إن وجود هذه المساحة من المراجعة لا يضعف الدولة، بل يحميها من أن تتحول الأخطاء الفردية إلى سياسات عامة، ومن أن يتحول القرار المؤقت إلى مسار دائم يصعب الرجوع عنه.ولذلك فإن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يسمع فيها إلا صوت السلطة التنفيذية، وإنما الدولة التي تستطيع مؤسساتها أن تتعدد دون أن تتفكك، وأن تختلف دون أن تتصارع، وأن تراجع قراراتها دون أن ترى في المراجعة انتقاصاً من هيبتها. فالهيبة الحقيقية للدولة لا تُبنى بإسكات الأصوات، وإنما بصلابة المؤسسات، ولا تُقاس بمدى قدرة سلطة واحدة على فرض رؤيتها، وإنما بمدى قدرة النظام كله على صناعة القرار بصورة متوازنة ومسؤولة.إن تغلّب الرؤية التنفيذية على سائر مكونات القرار الوطني قد يمنح الدولة، في المدى القصير، مظهراً من الحسم وسرعة القرار ووحدة الاتجاه، لكنه في المدى الأبعد قد يقود إلى اختزال الدولة في الحكومة، واختزال الحكومة في السلطة التنفيذية، واختزال السلطة التنفيذية في رؤية واحدة. وعندها لا يعود الخطر مجرد اتساع في صلاحيات جهة أو تنامٍ في نفوذ مؤسسة، وإنما يبدأ تآكل الفكرة المؤسسية للدولة ذاتها.فالدولة التي لا تسمح بتعدد الرؤى داخل مؤسساتها تفقد تدريجياً قدرتها على رؤية نفسها من زوايا مختلفة، والدولة التي لا تسمح بالاعتراض تحرم نفسها من إحدى أهم أدوات اكتشاف الخطأ، والدولة التي تجعل رأي السلطة التنفيذية هو المرجعية الأثقل في كل القضايا تخاطر بأن يتحول القرار العام من نتاج مؤسسات الدولة إلى نتاج إرادة جهة واحدة.إن قوة الدولة لا تقاس بمدى خضوع مؤسساتها لرؤية واحدة، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف، واستيعاب النقد، وصيانة استقلال السلطات، وإخضاع الجميع، بلا استثناء، لسلطان القانون. فالتوازن بين السلطات ليس عائقاً أمام الدولة، بل هو صمام أمانها؛ وليس ترفاً دستورياً، بل شرطاً من شروط سلامة بنيانها. وحين تتوازن السلطات تتعاظم الدولة، وحين تطغى سلطة واحدة قد يبدو البناء متماسكاً من الخارج، بينما تكون الشقوق قد بدأت في الداخل.والدولة التي تفقد توازنها المؤسسي تبدأ أولاً بفقدان قدرتها على تصحيح نفسها، ثم تفقد تدريجياً قدرتها على مساءلة قراراتها، وفي نهاية المطاف قد تجد نفسها أمام منظومة تبدو قوية في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى أهم عناصر القوة الحقيقية: القدرة على مراجعة ذاتها، وتصحيح أخطائها، وضبط سلطاتها، وحماية الدولة من أن تختزل في رؤية سلطة واحدة.استئثار السلطة التنفيذية وانكسار التوازن المؤسسي
مدار الساعة ـ