أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عمارة الذات في بيئة العمل: كيف تصنع 'المنعة النفسية' فارقاً في جودة الأداء ورفع الإنتاجية؟

مدار الساعة,مقالات,أخبار المجتمع الأردني
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب: الاستاذ أحمد أديب المجدوبة -في عصر يتسم بالتغيرات المتسارعة وضغوط العمل المتزايدة، لم يعد النجاح المهني حكراً على من يملك المهارات التقنية أو الخبرة المعرفية الفائقة فحسب، بل ثمة عامل خفي بات يشكل الفارق الحقيقي بين الموظف الذي ينطفئ تحت وطأة الضغوط، وآخر يزدهر وسط التحديات.

‏وهذا العامل يكمن في ما يطلق عليه علم النفس الوظيفي "الاداري" الحديث: "المنعة النفسية" و"إدارة التكيف الإيجابي في بيئة العمل"، إن بيئات العمل اليوم أشبه بميادين ديناميكية لا تتوقف عن الحركة أهداف تتغير، تقنيات تتحدث، وأزمات مفاجئة تتطلب استجابة فورية أمام هذا الواقع، لم تعد الصلابة التقليدية (بمعنى مقاومة التغيير مجدية، بل أصبح المطلوب هو "المرونة اللينة" التي تسمح للمحترف بالانحناء أمام العاصفة دون أن ينكسر، ثم العودة أقوى مما كان.

‏فالمنعة النفسية في الميزان الوظيفي ليست مجرد صفة تولد مع الإنسان بل هي عضلة فكرية وسلوكية تبنى بالمران في سياق علم النفس الوظيفي، وتعرف المنعة بأنها قدرة الموظف على مواجهة الانتكاسات الضغوط والاحتراق المهني والتعافي منها بسرعة لاستعادة التوازن.

‏ أما إدارة التكيف الإيجابي، فهي الاستراتيجية التنفيذية لهذه المنعة، وتعني قدرة الفرد على إعادة تأطير التحديات والصعوبات، والنظر إليها كفرص للتعلم والتطور بدلاً من رؤيتها كتهديدات مدمرة.

‏ الموظف المتكيف إيجابياً لا يقضي وقته في الشكوى من "تغير الظروف"، بل يوجه طاقته نحو "كيفية التعامل الذكي مع هذه الظروف".

‏فمعادلة الأثر: من الاستقرار النفسي إلى جودة الأداء تكمن في الربط بين الصحة النفسية للموظف ومعدلات إنتاجيته، لم يعد رفاهية فكرية، بل هو معادلة اقتصادية وتشغيلية أثبتتها الدراسات العلمية.

‏ويتلخص أثر المنعة والتكيف الإيجابي على العمل في ثلاثة محاور رئيسة: استدامة التركيز والإنتاجية الكمية الضغط النفسي المستمر يفرز هرمونات تعطل خلايا التفكير المنطقي في الدماغ، مما يؤدي إلى تشتت الانتباه وكثرة الأخطاء في المقابل، الموظف الذي يتمتع بالمنعة النفسية يمتلك القدرة على فصل مشاعره السلبية عن مهامه، وبما يسهم في تدفق إنتاجيته حتى في الأوقات الحرجة.

‏المحور الثاني، جودة الأداء والابتكار، إن التكيف الإيجابي يمنح العقل مساحة للأمان النسيجي، عندما لا يخاف الموظف من الفشل أو التغيير، يصبح أكثر قدرة على تقديم حلول ابتكارية خارج الصندوق وترتفع جودة مخرجاته لتتسم بالإتقان واللمسة الإبداعية.

‏واخيرا، خفض كلفة "الاحتراق المهني": إن غياب التكيف والمنعة يقود مباشرة إلى الاحتراق Burnout، وهو ما يترجم عمليا في بيئات العمل إلى غيابات متكررة، وانخفاض الدافعية، وارتفاع معدل دوران العمالة الاستقالات، وكلها تشكل خسائر فادحة للمؤسسات.

‏فكيف تبنى بيئة عمل "منيعة" حيث إن المسؤولية هنا مشتركة بين الفرد والمؤسسة: على مستوى الموظف يتطلب الأمر تدريب الذات على الوعي الذاتي"، وفصل الهوية الشخصية عن الإخفاقات المهنية العابرة، وتبني عقلية النمو Growth Mindset.

‏ على مستوى القيادة: يجب على الإدارات الحديثة خلق بيئة قائمة على الأمان النفسي"، حيث يسمح بالخطأ كمحطة للتعلم، وتتاح مساحات للتعبير والتوازن بين العمل والحياة الشخصية.

‏ وأظهرت الدراسات ان الربط بين الصحة النفسية للموظف ومعدلات إنتاجيته لم يعد رفاهية فكرية، بل هو معادلة اقتصادية وتشغيلية أثبتتها الأرقام؛ إذ يكشف تقرير مؤسسة "غالوب" العالمي أن ضعف الاندماج والإنهاك النفسي في بيئات العمل يكلف الاقتصاد العالمي نحو 10 تريليونات دولار سنويا بسبب خسارة الإنتاجية. وأشارت الدراسات إلى ان الأثر لا يتوقف عند النطاق العالمي، بل يمتد محلياً؛ حيث كشف تقرير المرصد العمالي الأردني أن 53% من الوظائف المعلنة في الأردن باتت تشترط بشكل علني "مهارات التكيف مع البيئات المتغيرة" كمعيار أساسي للتوظيف، ما يثبت أن المنعة النفسية" أصبحت عملة رئيسة في سوق العمل المهني، وتظهر نتائجها مباشرة

‏ وافادت دراسات جامعة هارفرد خلال السنوات الخمس الماضية الى انه من بين كل 3 اشخاص فقدوا وظائفهم، اثنان منهم بسبب بيئة العمل وضعف في مهارات الإتصال، فاستدامة تركيز الموظف المنيع يحمي نفسه من الاستقالة الصامتة والاحتراق الذي يصيب 76% من العاملين عالمياً، ويؤثر على جودة المخرجات في القيادة المرنة، والداعمة نفسياً ترفع من قدرة الموظف على الابتكار بنسبة تتجاوز 60% وفق دراسات علم النفس الوظيفي.

‏وفي نهاية المطاف، نؤكد أن الاستثمار في "المنعة النفسية" ليس مجرد مبادرة إنسانية أو امراً اختيارياً يمكن تجاوزه، بل هو استثمار استراتيجي في صلب العمل ومستقبله، فالشركات والمؤسسات التي ستنجو وتزدهر في المستقبل، ليست تلك التي تملك أكبر رأس مال مادي، بل تلك التي تملك فرق عمل تتمتع بمرونة نفسية كافية لتطويع الأزمات وتحويلها إلى قفزات نوعية في الأداء والإنتاجية.


مدار الساعة ـ