أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين ينتهي التوجيهي ويبدأ السؤال الأصعب


تغريد جميل قرقودة

حين ينتهي التوجيهي ويبدأ السؤال الأصعب

مدار الساعة ـ

اليوم طوى طلبة التوجيهي صفحة من أكثر الصفحات التي تركت في ذاكرتهم الكثير من التعب والقلق والانتظار. انتهت الامتحانات، وانتهت معها ساعات طويلة من الدراسة والسهر والخوف من السؤال والنتيجة. لهم جميعا نقول: يعطيكم العافية، فقد بذلتم ما استطعتم، واجتهدتم، ووصلتم إلى نهاية الطريق بعد رحلة لم تكن سهلة.

والآن يبدأ طريق آخر… وربما يكون أكثر أهمية.

طريق اختيار التخصص الجامعي.

وهنا لا بد أن نتوقف قليلا؛ لأن اختيار التخصص ليس مجرد خانة يضع فيها الطالب علامة، ولا قرارا ينبغي أن تحسمه رغبة عابرة أو رأي صديق أو توقعات الأسرة. إنه اختيار قد يرسم جزءا كبيرا من ملامح المستقبل، ولذلك يحتاج إلى معرفة بالنفس قبل معرفة بالتخصص.

لقد جاءت الحقول والتخصصات الجديدة لتفتح أمام الطلبة أبوابا ومسارات مختلفة، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي؛ فالجامعة وسوق العمل يتغيران، والمهن التي سيحتاجها المستقبل ليست بالضرورة هي المهن التي كانت مطلوبة بالأمس.

لكن الملاحظة المهمة أن كثرة الخيارات لا تعني دائما سهولة الاختيار.

أحيانا يكون الطالب أمام حقول جديدة لا يعرف طبيعتها بصورة كافية، فيختار الحقل لأنه يبدو حديثا، أو لأن اسمه جذاب، أو لأن الآخرين يقولون إن له مستقبلا. ثم يكتشف بعد دخوله الجامعة أن ما اختاره لم يكن يشبه ميوله ولا قدراته.

وهنا تكمن المشكلة.

نحن لا نريد من الطالب أن يختار تخصصه فقط لأنه “مطلوب”، بل أن يسأل نفسه: هل أستطيع أن أبدع فيه؟ هل يناسب قدراتي؟ هل أحب مواده؟ وهل أستطيع أن أرى نفسي بعد سنوات وأنا أمارس المهنة التي يقودني إليها؟

فليس كل تخصص مطلوبا يناسب كل طالب، وليس كل تخصص جديد يعني بالضرورة أنه الخيار الأفضل، كما أن التخصص الذي يبدو تقليديا قد يصنع من صاحبه إنسانا متميزا إذا امتلك الشغف والكفاءة والإصرار.

والأجمل أن نتوقف عن النظر إلى الجامعة باعتبارها مجرد وسيلة للحصول على وظيفة.

الجامعة ينبغي أن تكون مساحة لاكتشاف الإنسان لنفسه، وصناعة قدراته، وتوسيع مداركه، وتكوين شخصيته. فالنجاح الحقيقي ليس في أن يحمل الطالب شهادة جامعية فقط، وإنما في أن يخرج من الجامعة وهو يعرف ماذا يستطيع أن يقدم، وأين يمكن أن يكون أكثر نفعا لنفسه ومجتمعه.

إلى أبنائنا وبناتنا الذين أنهوا التوجيهي اليوم…

لا تجعلوا لحظة الاختيار رهينة للخوف.

لا تختاروا تخصصكم لأن صديقكم اختاره، ولا لأن أحدا قال لكم إن هذا التخصص “له مستقبل”، ولا لأن اسمه أكثر بريقا من غيره.

اختاروا ما يشبهكم، ثم اجعلوا منه شيئا يشبه طموحكم.

استشيروا أهل الخبرة، واقرأوا عن التخصصات، واسألوا من درسوا فيها، وتعرفوا إلى سوق العمل، وقبل كل ذلك تعرفوا إلى أنفسكم.

وتذكروا دائما أن التخصص قد يكون بداية الطريق، لكنه ليس نهاية الحكاية. فالإنسان القادر على التعلم والتطور يستطيع أن يصنع لنفسه أكثر من طريق، وأن يحول الفرصة الصغيرة إلى مستقبل كبير.

اليوم انتهى امتحان التوجيهي، لكن امتحان الحياة بدأ.

وفي امتحان الحياة لا توجد ورقة أسئلة واحدة، ولا إجابة نموذجية واحدة، ولا تخصص واحد يصنع النجاح.

هناك شيء واحد يصنع الفارق:

أن تعرف من أنت… وماذا تريد أن تصبح.

ألف مبارك لكل طالب أنهى هذه المرحلة، وكل الدعاء أن يوفقهم الله في نتائجهم، وأن يهديهم إلى التخصصات التي يجدون فيها أنفسهم، ويحققون من خلالها أحلامهم، ويرتدون يوما ثوب المهنة التي اختاروها عن قناعة لا عن صدفة.

فربما يكون اختيار التخصص أول قرار يتخذه الإنسان في صناعة مستقبله…

فلنجعل أبناءنا يختارون مستقبلهم بالبصيرة، لا بالاندفاع؛ وبالمعرفة، لا بالتقليد.

مدار الساعة ـ