رغم كل الأزمات التي يعبرها العالم العربي، وتحديدا منذ غزو الكويت مطلع التسعينيات حتى الحرب مع إيران، وما تعرضت له المنطقة من محاولات هدم متواصلة، فإن لا أحد في العالم العربي تمكّن من إطلاق نظام إقليمي عربي جديد، وبقينا ندور حول أنفسنا في المنطقة.
هذه أخطر مرحلة تمر بها المنطقة العربية منذ 100 عام، لأن الأزمات ستؤدي إلى انهيارات متدرجة أو شاملة، بسبب الحروب، وتَشكّل مراكز قوة إقليمية مثل تركيا وإيران وإسرائيل، وبسبب نخر الدول من داخلها بسبب المظالم والفساد وغياب العدالة والمديونية، وبسبب نية قوى دولية إعادة تشكيل المنطقة وتقسيم المقسم أصلا إلى خرائط جديدة وفقا للنفوذ والدين والعرق والمذهب والثروات، وفي سياق تسوية الصراعات التي تم إشعالها بين أبناء المنطقة.لا يبدو في الأفق أي قدرة عربية على بناء نظام إقليمي عربي بديل أو جديد لحماية المنطقة من المهددات، وكل ما نراه حاليا هو الاستغراق الفردي للدولة الوطنية في حماية مصالحها بكل الطرق، أو اشتباك أي دولة في علاقات ثنائية وثلاثية ورباعية مع حلفاء في المنطقة أو خارجها لحماية مصالحها، بما يعني أن هناك شبه استحالة للتوافق على نظام إقليمي عربي.من الأسباب الرئيسية التي تمنع بناء هذا النظام حالة التنافر بين العرب، والارتباط بمراكز قوى إقليمية أو دولية بديلة عن مدار عربي يتقاسم المصالح والمهددات في توقيت واحد.لقد فشلت جامعة الدول العربية في بناء هذا النظام أو تعزيز النظام الإقليمي العربي الذي تأسس بشكل ضعيف وهش بعد الحرب العالمية الثانية، وكان نتاجا لترسيمات أجنبية للمنطقة، وتكريسا لعزلة الدول والشعوب عن بعضها بعضا، وكأن استقلال الدول في المشرق والمغرب العربي كان إزاحة سياسية عن أولوية بناء نظام إقليمي عربي موحد.والذي يعود إلى التاريخ يكتشف، للمفارقة، أن العرب في السبعينيات والثمانينيات كانوا أفضل حالاً بكثير من هذه الأيام، على صعيد علاقاتهم المباشرة، وتقييمهم لأهمية أن تبقى المنطقة هي المركز على صعيد سياسات الدول، وهي حالة بدأت بالتراجع منذ الحرب العراقية الإيرانية، واحتلال لبنان عام 1982، مرورا بمحطات سابقة تأسست على احتلال فلسطين أصلا.ما يمكن قوله اليوم أن المنطقة أمام سيناريو مجهول النتائج، فلا الدول الوطنية ستبقى وحيدة قادرة على مواجهة الأزمات، ولا العلاقات بين دولتين وأكثر ستكون كافية لمواجهة التحديات، ولا العمل العربي المشترك مؤهل لإحياء المنطقة، فيما يبقى البديل الممكن هو إقامة نظام إقليمي عربي جديد وبديل لمواجهة الأخطار في هذه المنطقة.من دونه سنرى عالما عربيا مختلفا تماما بعد 10 سنين، يدفع فيه الكل كلفة التهاون أمام الأزمات، وكلفة التبعية أيضا، وكأننا أمام عملية تسليم بطيئة لكل المنطقة.